قرية اللغات تتحوّل إلى فضاء للإبداع والحوار الثقافي.. ورشات تطبيقية ومعارض فنية ولقاءات فكرية تحتفي بمواهب الشباب وتثمن الموروث الحضاري للجهة
مواكبة: عادل الجريدي
تحوّلت قرية اللغات بالمهدية، من 26 إلى 31 أكتوبر 2026، إلى فضاء نابض بالإبداع والتبادل الثقافي، باحتضانها الدورة التأسيسية للمهرجان الدولي الجامعي للفنون التشكيلية بالمهدية، المنتظم تحت رعاية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وبإشراف ديوان الخدمات الجامعية بالوسط، وبمشاركة عربية واسعة جمعت الطلبة بالمبدعين والفنانين والمؤطرين والأساتذة المحاضرين.
وشكّلت هذه التظاهرة موعدًا ثقافيًا وفنيًا جمع بين المعرفة الأكاديمية والممارسة الإبداعية، وأتاح للمشاركين فرصة اللقاء وتبادل التجارب والانفتاح على مدارس فنية متنوعة، في أجواء احتفت بدور الفن في بناء جسور التواصل بين الشباب وتعزيز الحوار بين الثقافات.
ورشات ومعارض وعروض موسيقية.. برنامج متنوع
تميّز برنامج المهرجان بتنوع فقراته، حيث انتظمت ورشات فنية تطبيقية وجلسات علمية وفكرية، إلى جانب عروض موسيقية ومعارض للفنون التشكيلية، فضلاً عن زيارات ميدانية وخارجية خُصّصت للتعريف بالمخزون الثقافي والحضاري لجهة المهدية وتثمين موروثها التاريخي والفني.
وقد مكّنت هذه الأنشطة الطلبة من اكتشاف تقنيات وأساليب فنية مختلفة، والاطلاع على تجارب إبداعية متنوعة، ضمن مقاربة جمعت بين الجانب النظري والتطبيق العملي، بما يساعد على تطوير المهارات وصقل المواهب وتوسيع آفاق التعبير الفني والجمالي.
ولم تكن الورشات مجرد محطات تدريبية، بل مثّلت فرصة للتفاعل المباشر بين الطلبة والفنانين والمؤطرين، وتبادل الأفكار حول أساليب العمل الفني وسبل تطوير التجارب الفردية والجماعية، في فضاء جامعي يفتح أبوابه أمام الابتكار والتجريب.
مشاركة عربية تعزّز الحوار الثقافي
ومن أبرز مميزات هذه الدورة المشاركة العربية الواسعة، التي منحت المهرجان بعدًا يتجاوز حدود العرض الفني إلى بناء علاقات تواصل وتبادل بين الطلبة والمبدعين من خلفيات ثقافية وتجارب مختلفة.
وقد أتاحت هذه المشاركة فرصة للتعرف على مدارس فنية متعددة، واكتشاف طرق مختلفة في التعبير والإبداع، بما يعزز قيم التنوع والتسامح والانفتاح، ويكرّس الفن باعتباره لغة مشتركة قادرة على تقريب المسافات بين الثقافات.
وفي هذا السياق، برزت الفنون التشكيلية بوصفها وسيلة للحوار والتواصل، وأداة لاكتشاف الذات والآخر، بما تحمله من قدرة على التعبير عن التجارب الإنسانية والجمالية بعيدًا عن الحواجز اللغوية والثقافية.
المهدية.. فضاء للفن وتثمين الذاكرة الحضارية
واحتلت الزيارات الميدانية مكانة مهمة ضمن البرنامج، من خلال تعريف المشاركين بالمخزون الحضاري والثقافي للمهدية، بما تزخر به الجهة من معالم تاريخية وموروث فني وإنساني.
وقد مثّلت هذه الزيارات فرصة لربط التجربة الفنية بالمكان، وإبراز العلاقة بين الإبداع والذاكرة والهوية، فضلًا عن تثمين الخصوصية الثقافية للجهة والتعريف بمقوماتها الحضارية لدى المشاركين من تونس وخارجها.
ويؤكد هذا التوجه أهمية ربط التظاهرات الجامعية بمحيطها الثقافي والاجتماعي، حتى لا تظل الأنشطة الفنية محصورة داخل الفضاءات المغلقة، بل تتحول إلى مناسبة لاكتشاف المكان والتفاعل مع موروثه وإبراز إمكاناته الإبداعية والسياحية.
الجامعة حاضنة للمواهب ومختبر للإبداع
وتبرز أهمية هذه المبادرة في سعيها إلى تعزيز حضور الثقافة والفنون داخل الحياة الجامعية، وإبراز دور المؤسسات الجامعية والخدمات الجامعية في دعم الإبداع الطلابي وفتح المجال أمام المواهب الشابة للتعبير عن طاقاتها.
فالمهرجان لم يكن مجرد تظاهرة لعرض الأعمال الفنية، بل فضاءً للتعلّم بالممارسة، وتبادل الخبرات، وصقل المهارات، وتشجيع الطلبة على خوض تجارب جديدة في مجال الفنون التشكيلية، ضمن بيئة تجمع بين التأطير الأكاديمي والانفتاح على التجارب الفنية المختلفة.
كما تؤكد هذه المبادرة أن الاستثمار في الثقافة والفن داخل الوسط الجامعي يساهم في تنمية شخصية الطالب، وتعزيز قدراته على التفكير والتعبير والابتكار، ويمنح الحياة الجامعية أبعادًا تتجاوز التحصيل العلمي لتشمل التكوين الجمالي والإنساني.
دورة تأسيسية تفتح آفاقًا جديدة
ومع اختتام فعاليات الدورة التأسيسية للمهرجان الدولي الجامعي للفنون التشكيلية بالمهدية، تبرز ملامح تجربة ثقافية واعدة راهنت على الإبداع والانفتاح والتبادل المعرفي، وجمعت بين التكوين الفني والحوار الفكري والتعريف بالموروث الحضاري.
وقد أكدت هذه المبادرة أن الجامعة ليست فضاءً للتحصيل العلمي فحسب، بل هي أيضًا حاضنة للفكر والفن ومختبر للمواهب والطاقات الشابة، وأن الفنون قادرة على تعزيز التواصل بين الأجيال والثقافات، وفتح مساحات جديدة أمام الإبداع الطلابي.
وبما تزخر به المهدية من رصيد حضاري وثقافي، تبدو الجهة مؤهلة لاحتضان مبادرات تجعل من الثقافة جسرًا للتواصل والإشعاع، وتمنح الشباب فرصة للالتقاء والتعلم والتعبير عن رؤاهم الفنية.
من قرية اللغات بالمهدية، حملت الدورة التأسيسية رسالة واضحة: حين تلتقي الجامعة بالفن، تتحول المعرفة إلى إبداع، ويصبح الحوار الثقافي فرصة لبناء جسور أوسع بين الشباب العربي.


