قرطاج يفتح ذراعيه للعالم.. ليلة استثنائية تُرقص فيها ذاكرة الشعوب على ركح التاريخ

قرطاج يفتح ذراعيه للعالم.. ليلة استثنائية تُرقص فيها ذاكرة الشعوب على ركح التاريخ

في ليلة استثنائية حملت ألوان العالم وإيقاعاته إلى قلب المسرح الأثري، احتضنت قرطاج مساء الثلاثاء 11 أوت عرض «فولكلورات العالم»، ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، في موعد خرج عن المألوف ليحوّل الركح التاريخي إلى فضاء تتلاقى فيه ثقافات مختلفة، وتتجاور فيه الموسيقى والرقص والأزياء التقليدية وذاكرة الشعوب.

ولم تكن السهرة مجرد عرض فني يجمع عدداً من الفرق الأجنبية، بل بدت وكأنها رحلة عبر القارات، انتقلت بالجمهور من ثقافة إلى أخرى، ومن إيقاع إلى آخر، في مشهد جسّد قدرة الفن الشعبي على اختصار المسافات وإقامة جسور التواصل بعيداً عن اختلاف اللغات والجغرافيا.

من تونس إلى العالم.. قرطاج في موعد مع التنوع

شارك في السهرة فنانون وفرق من تونس وليبيا ومالطا والصين واليابان، إلى جانب الفرقة الوطنية للفنون الشعبية التونسية، لتتشكل على ركح قرطاج لوحة متعددة الألوان والمرجعيات.

ومنذ اللحظات الأولى، بدا المسرح الأثري وكأنه يتنفس إيقاعات مختلفة؛ رقصات وحركات وأزياء تقليدية حمل كل منها جزءاً من ذاكرة البلد الذي تمثله، فيما تلاقت هذه التعبيرات المتنوعة في لغة واحدة لا تحتاج إلى ترجمة: لغة الفن.

وكان للحضور التونسي مكانه البارز في هذه الرحلة، من خلال الفرقة الوطنية للفنون الشعبية، التي قدمت جانباً من الموروث التونسي ضمن هذا الحوار الفني الدولي، لتؤكد أن التراث المحلي قادر على الوقوف جنباً إلى جنب مع ثقافات عريقة من مختلف أنحاء العالم.

الاختلاف يتحول إلى جمال

خصوصية «فولكلورات العالم» لم تكن في محاولة توحيد الثقافات، بل في الاحتفاء باختلافها.

فلكل بلد إيقاعه الخاص، وحركاته وألوانه وأزياؤه وطقوسه الشعبية، لكن اجتماع هذه العناصر على ركح واحد أكد أن الاختلاف لا يمثل حاجزاً، بل يمكن أن يتحول إلى مصدر للجمال والإبداع.

وهنا بدا الفولكلور أكثر من مجرد استعادة لموروث قديم؛ فقد ظهر كفن حي ومتجدد، قادر على مخاطبة الجمهور المعاصر والتفاعل معه، وعلى تقديم ذاكرة الشعوب في قالب فني نابض بالحياة.

حين يلتقي تاريخ قرطاج بذاكرة العالم

وللمكان نصيبه من سحر هذه السهرة.

فالمسرح الأثري بقرطاج، الذي تختزن حجارته ذاكرة قرون من الحضارات والتبادل بين الشعوب، احتضن في ليلة واحدة ثقافات قادمة من جغرافيات بعيدة، في صورة بصرية تختصر روح المهرجان نفسه: الانفتاح، التعدد، والحوار بين الثقافات.

كان المشهد أشبه بلقاء بين تاريخ المكان وذاكرة العالم؛ ركح يعود إلى آلاف السنين يحتضن رقصات وإيقاعات تحمل قصص شعوب لا يجمع بينها بالضرورة سوى الإيمان بأن الفن قادر على التقريب بين الإنسان والإنسان.

سبع سهرات أجنبية في الدورة الستين

وتندرج سهرة «فولكلورات العالم» ضمن توجه الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي نحو تعزيز الحضور الدولي في برمجته، من خلال تخصيص سبع سهرات للعروض الأجنبية.

وقد جاءت هذه السهرة مختلفة في طبيعتها، لأنها لم تكتفِ بتقديم تجربة فنية واحدة، وإنما جمعت ثقافات متعددة في موعد واحد، ما منح الجمهور فرصة لاكتشاف أشكال مختلفة من الفنون الشعبية دون مغادرة مدرجات قرطاج.

الفولكلور.. تراث لا يعيش في المتاحف

وبين رقصة وأخرى، وإيقاع وآخر، بدا واضحاً أن الفولكلور ليس مجرد ماضٍ يُستعاد، بل تراث قابل للحياة والتجدد، حين يجد فضاءً فنياً قادراً على تقديمه للأجيال الجديدة.

وهذه تحديداً إحدى أهم قيم مثل هذه العروض: إبقاء الذاكرة الشعبية حاضرة، ولكن دون عزلها عن العالم، بل وضعها في حوار مفتوح مع تجارب وثقافات أخرى.

وهكذا أسدل المسرح الأثري بقرطاج الستار على سهرة «فولكلورات العالم»، بعد أن تحوّل لساعات إلى مسرح مفتوح على القارات، احتفى بتنوع الشعوب واختلافها، وأكد أن الموسيقى والرقص والتراث قادرة على بناء جسور لا تحتاج إلى جوازات سفر.

في قرطاج، ليلة 11 أوت، لم تكن الشعوب مجرد ضيوف على الركح.. بل كانت ذاكرتها هي العرض، وكان الفن هو اللغة التي جمعتها.