منذ وفاته داخل السجن المدني بالمرناقية سنة 2014، لم يغب اسم الجيلاني الدبوسي، النائب السابق بالبرلمان، عن السجال الحقوقي والسياسي في تونس. الرجل الذي دخل السجن بتهم تتعلق بالفساد زمن النظام السابق، خرج منه جثة هامدة بعد صراع طويل مع المرض، وسط اتهامات متصاعدة بالإهمال الطبي وسوء المعاملة.
اليوم، وبعد مرور أكثر من عشر سنوات، يعود الملف إلى الواجهة بقوة: محكمة التعقيب رفضت طعن القيادي بحركة النهضة المنذر الونيسي، مؤكدة بذلك إحالته مع أسماء وازنة أخرى – أبرزها نور الدين البحيري وزير العدل الأسبق – إلى الدائرة الجنائية بتونس، بتهم تصل إلى القتل العمد مع سابقية القصد.
من الإهمال إلى "التصفية"؟
منظمة العفو الدولية وعدد من الجمعيات الحقوقية كانت قد نبهت في حينه إلى الوضع الصحي المتردي للراحل الدبوسي، معتبرة أنه "لم يحظ بالرعاية الطبية اللازمة". لكن عائلة الدبوسي ذهبت أبعد من ذلك، معتبرة أن ما تعرض له لم يكن مجرد إهمال، بل "سياسة ممنهجة للتصفية"، خاصة بعد أن أكد أقاربه أنه ظل طريح الفراش في زنزانته لأشهر دون متابعة جدية.
البحيري والونيسي في مرمى النيران
تتجه أصابع الاتهام اليوم إلى شخصيات بارزة في حركة النهضة كانت تمسك حينها بملف القضاء والسجون. فـنور الدين البحيري بصفته وزيرًا للعدل، والمنذر الونيسي الذي تقلد مناصب وازنة، يواجهان تهمًا ثقيلة في قضية قد تتحول إلى محاكمة سياسية بامتياز.
مصادر قضائية أكدت أن قرار الإحالة شمل أيضًا طبيبة كانت تتابع الحالة الصحية للراحل داخل السجن، إلى جانب إطار قضائي متقاعد، وهو ما يعكس رغبة في كشف كل حلقات المسؤولية، من القرار السياسي إلى التنفيذ الميداني.
العدالة المتأخرة… أم الانتقام السياسي؟
الأسئلة تتزاحم:
هل كان موت الدبوسي نتيجة تراخٍ إداري وطبي فادح؟
أم أن القرار كان مقصودًا لإسكات صوت سياسي لم يعد مرغوبًا فيه؟
وهل ستنجح المحكمة في إثبات نية "القتل العمد" التي يتحدث عنها القرار القضائي، أم أن الملف سيبقى رهين التجاذبات؟
في المقابل، تصف حركة النهضة هذه القضية بأنها "محاكمة سياسية صرفة"، وترى أن إعادة فتحها اليوم يدخل في سياق "استهداف ممنهج" لقياداتها. غير أن عائلة الدبوسي تعتبر أن العدالة وإن تأخرت، فقد آن أوانها، وأن ما حدث كان جريمة لا يمكن أن تُطوى دون محاسبة.
لحظة فارقة في علاقة القضاء بالسياسة
القضية تمثل اختبارًا صعبًا للسلطة القضائية في تونس: هل تملك الجرأة على محاكمة مسؤولين سياسيين وأمنيين سابقين بتهم تصل إلى القتل؟ أم أن المسار سينتهي إلى تسوية سياسية تحفظ ماء الوجه دون كشف الحقيقة كاملة؟
المشهد مفتوح، والملف مرشح ليكون أحد أكبر المحاكمات السياسية – الحقوقية في تاريخ تونس الحديث، حيث تختلط فيه الحسابات القضائية بالرهانات السياسية، في معركة عنوانها الأبرز: هل يمكن للعدالة أن تنتصر على نفوذ السياسة؟