لم يكن العلماء يتوقعون أن تكشف دراسة واسعة لمحتويات بطون 778 قرشًا نمريًا عن هذا التنوع المذهل في قائمة الطعام. فهذه المفترسات البحرية لم تكتفِ بالأسماك والكائنات البحرية، بل ابتلعت أيضًا ثدييات برية، طيورًا، سلاحف، عظامًا بشرية وحتى نفايات تركها الإنسان في البحر.
الدراسة، المنشورة في مجلة PLOS One، اعتمدت على فحص محتويات معدة 778 قرشًا نمريًا نفقت نتيجة الصيد العرضي ضمن برنامج لحماية السباحين في كوازولو ناتال بجنوب إفريقيا.
ومن بين هذه العينات، احتوت 628 معدة على طعام، كشف تحليلها عن نحو 192 نوعًا مختلفًا من الفرائس.
مفترس لا يعرف الحدود
القرش النمري، المعروف علميًا باسم Galeocerdo cuvier، من كبار مفترسات المحيطات، ويتميز بقدرة استثنائية على ابتلاع أنواع متباينة من الكائنات.
وضمت قائمته الأسماك وأسماك القرش والشفنين والروبيان والمحار، وصولًا إلى أجزاء من حيتان العنبر والحيتان الحدباء.
لكن المفاجآت الحقيقية بدأت عندما اكتشف الباحثون أن هذا المفترس لا يلتزم بحدود البحر في غذائه.
فقد عثروا على بقايا جرذ الخلد والنيص والظبي الأزرق، وهي حيوانات برية لا تعيش في المحيط أصلًا.
ويُرجح العلماء أن بعض هذه الحيوانات كانت نافقة قبل وصولها إلى البحر، وربما جرفتها مياه الفيضانات، قبل أن تصبح فريسة سهلة للقرش.
المفاجأة الأكثر صدمة.. عظام بشرية
من بين أكثر الاكتشافات غرابة، العثور على عظام بشرية داخل معدتي قرشين نمريين تجاوز طول كل منهما مترين.
وشملت البقايا أجزاء من الساق والشظية والحوض.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الحيوانين هاجما أشخاصًا أحياء؛ إذ يشير الباحثون إلى أن طبيعة القرش النمري في التغذي على الجيف تجعل ابتلاع بقايا بشرية في البحر أمرًا ممكنًا.
حين يتحول المحيط إلى سلة مهملات
ولم تتوقف القائمة عند الحيوانات.
فقد وجد الباحثون داخل بعض البطون أكياس رقائق البطاطس، والسجائر، ومواد جلدية وغيرها من النفايات البشرية.
وهنا تكشف الدراسة وجهًا آخر للمشكلة: القرش النمري الذي اشتهر بقدرته على ابتلاع كل ما يعترض طريقه أصبح، بصورة غير مباشرة، شاهدًا على حجم النفايات التي تصل إلى المحيطات.
كما شملت الوجبات غير المتوقعة السلاحف والطيور البحرية، من بينها طيور الغاق والبطريق الإفريقي.
لماذا يهتم العلماء بما يأكله القرش؟
قد يبدو تحليل معدة قرش مجرد بحث عن الفضول، لكنه بالنسبة إلى العلماء يحمل أهمية أكبر بكثير.
فالقرش النمري يقع في قمة السلسلة الغذائية، وبالتالي فإن تنوع فرائسه يكشف مدى اتساع تأثيره في النظام البيئي.
وباعتباره من المفترسات الرئيسية، فإن اختفاءه أو تراجع أعداده بسبب الصيد الجائر أو فقدان الموائل يمكن أن يؤدي إلى تغيرات متسلسلة في توازن النظام البحري.
لذلك، فإن معرفة ما يأكله هذا القرش تساعد الباحثين على فهم موقعه داخل النظام البيئي، وتقدير الدور الذي يؤديه في الحفاظ على توازنه.
192 نوعًا في معدة واحدة من المحيط
تكشف الدراسة في النهاية حقيقة مذهلة: القرش النمري ليس مجرد صياد بحري، بل مفترس انتهازي قادر على الاستفادة من مجموعة هائلة من مصادر الغذاء.
من الروبيان والمحار إلى الأسماك والقروش والحيتان، ومن الطيور والسلاحف إلى الثدييات البرية، وحتى النفايات البشرية والعظام.
إنها قائمة طعام تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى الخيال، لكنها في الحقيقة تكشف مدى تعقيد العلاقة بين المحيط واليابسة، ومدى اتساع تأثير الإنسان حتى داخل معدة أحد أخطر مفترسات البحر.


