هل أصبح العقل آخر حصون الإنسان المهدّدة؟ حين تقترب التكنولوجيا من أسرار الدماغ

هل أصبح العقل آخر حصون الإنسان المهدّدة؟ حين تقترب التكنولوجيا من أسرار الدماغ

«إذا ضاقَ صدرُ المرءِ عن سرِّ نفسِه.. فصدرُ الذي يُستودَعُ السرَّ أضيقُ»… بيتٌ من الشعر العربي القديم يختصر حكمةً طالما آمن بها الإنسان: ما دام السرّ حبيس الصدر، فهو في مأمن من أعين الآخرين. لكن ماذا لو لم يعد الصمت كافياً لحماية أسرارنا؟ وماذا لو أصبحت التكنولوجيا قادرة على استنتاج بعض ما يدور في أدمغتنا، دون أن ننطق بكلمة واحدة؟

هذا السؤال لم يعد مجرّد خيال علمي أو سيناريو مستوحى من أفلام المستقبل، بل بات موضوعاً يثير قلق المؤسسات الدولية والحقوقيين والعلماء، بعدما حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من المخاطر التي قد تنجم عن توظيف التقنيات العصبية في التحقيقات الجنائية والمحاكم والسجون، خارج الضوابط القانونية والأخلاقية اللازمة.

حين تتحوّل إشارات الدماغ إلى قرائن

تفتح التقنيات العصبية آفاقاً واعدة في الطب، خصوصاً لمساعدة المرضى الذين فقدوا بعض قدراتهم الحركية أو التواصلية. غير أن انتقال هذه التقنيات إلى مجالات الأمن والعدالة يطرح أسئلة شديدة الحساسية: هل يمكن استخدام استجابة الدماغ أمام صور أو معلومات مرتبطة بجريمة ما لاستنتاج معرفة المتهم بتفاصيلها؟ وهل يمكن اعتبار تلك الاستجابة دليلاً على تورّطه؟

ينبغي هنا التمييز بين ما تستطيع التكنولوجيا قياسه وما يمكن للقانون إثباته. فالأجهزة قد ترصد أنماطاً عصبية أو مؤشرات مرتبطة بالتعرّف والانتباه والانفعال، لكنها لا تمنح المحقق نافذة شفافة يقرأ عبرها الأفكار كما تُقرأ الكلمات على الورق.

قد يتفاعل شخص مع صورة لأنه شاهدها سابقاً في وسائل الإعلام، أو يشعر بالتوتر بسبب أجواء التحقيق، أو يستجيب لمؤثر لا علاقة له بالجريمة. لذلك فإن تحويل إشارة عصبية إلى دليل قاطع قد يفتح الباب أمام أخطاء خطيرة، خاصة إذا أُحيطت نتائج الأجهزة بهالة من الدقة العلمية لا تبرّرها حدودها الفعلية.

إن الخطر لا يكمن في تطوّر التقنية وحده، بل في الثقة المفرطة بها، وفي احتمال أن تتحوّل نتائج قابلة للتأويل إلى قرائن تُقيّد الحرية أو تؤثر في مصير إنسان.

الحق في الصمت… هل يكفي أن يغلق الإنسان فمه؟

تزداد المسألة تعقيداً عندما نصل إلى جوهر الحقوق الأساسية: حق الإنسان في الصمت، وعدم إجباره على الشهادة ضد نفسه، وحماية حياته الخاصة.

فإذا كان من حق المتهم أن يرفض الإجابة عن أسئلة المحقق، فهل يجوز البحث عن معلومات داخل نشاطه الدماغي رغم رفضه؟ وإذا أمكن استخدام التكنولوجيا لاستخلاص استنتاجات عن ذاكرته أو حالته الذهنية، فهل يصبح الصمت حقاً شكلياً يمكن الالتفاف عليه بأداة تقنية؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالخصوصية فقط، بل بحدود سلطة الدولة على الفرد. فالعدالة لا تُقاس بقدرتها على جمع أكبر قدر من المعلومات فحسب، وإنما أيضاً بالتزامها الوسائل المشروعة، واحترام قرينة البراءة، وضمان حق الدفاع، وعدم تحويل جسد الإنسان وعقله إلى مساحة مفتوحة للتحقيق.

ومن هنا تبرز ضرورة وضع قواعد واضحة تحدّد متى يمكن استخدام التقنيات العصبية، وما الشروط التي تحكم اللجوء إليها، وكيفية الطعن في نتائجها، ومن يتحمّل المسؤولية عند إساءة تفسيرها أو استعمالها.

من المختبر إلى السوق… والبيانات العصبية في دائرة الخطر

لم تعد التقنيات العصبية محصورة في المؤسسات الطبية والبحثية. فقد بدأت أجهزة استهلاكية تستهدف قياس بعض مؤشرات نشاط الدماغ أو تقديم استنتاجات تتصل بالتركيز والانتباه والحالة الذهنية. ومع دخول الذكاء الاصطناعي على الخط، تتسع إمكانات تحليل البيانات واستخلاص أنماط قد تكشف جوانب حساسة من حياة المستخدم.

وهنا يظهر تحدٍّ جديد: من يملك البيانات العصبية؟ ولأي غرض يمكن استخدامها؟ وهل يفهم المستهلك فعلاً طبيعة المعلومات التي يجمعها الجهاز، وكيف يمكن تخزينها أو مشاركتها أو استغلالها تجارياً؟

إن الموافقة على استخدام جهاز ما لا ينبغي أن تتحول إلى تفويض مفتوح لاستثمار كل ما يمكن استخلاصه من إشارات الدماغ. فالمعلومات العصبية ليست بيانات عادية؛ لأنها قد ترتبط بقدرات الإنسان الإدراكية وانفعالاته وبعض جوانب حالته الذهنية، ما يستدعي ضمانات مشددة للخصوصية والأمان والشفافية.

كما أن الخطر لا يأتي من المؤسسات الحكومية وحدها، بل قد ينشأ أيضاً من شركات تجمع البيانات وتخزنها وتعيد توظيفها، في بيئة لا تكون فيها حدود الاستخدام واضحة للمستهلك.

التشريع يلاحق التكنولوجيا

أمام هذا التطور، بدأت بعض الدول في اتخاذ خطوات قانونية لحماية النشاط الدماغي والبيانات العصبية، فيما تعمل مؤسسات دولية على تطوير أطر أخلاقية تنظّم استخدام هذه التقنيات.

لكن التحدي يتمثل في أن سرعة الابتكار قد تتجاوز أحياناً سرعة التشريع. لذلك لا يكفي إعلان المبادئ العامة، بل ينبغي تحويلها إلى قواعد قابلة للتطبيق، تحدّد مسؤوليات الجهات المستخدمة للتكنولوجيا، وتضمن الرقابة المستقلة، وتمنح الأفراد وسائل فعّالة للاعتراض والانتصاف.

وفي مجال العدالة الجنائية تحديداً، لا بد من الحذر من التعامل مع التقنيات العصبية باعتبارها اختصاراً للطريق نحو الحقيقة. فالحقيقة القضائية لا تُبنى على جهاز وحده، وإنما على أدلة مشروعة ومتساندة، وإجراءات عادلة، وإمكانية مناقشة النتائج والخبرات الفنية والطعن فيها.

وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحوّل الخوف من التكنولوجيا إلى موقف يرفض كل ابتكار. المطلوب هو التمييز بين استخدام طبي يساعد الإنسان على استعادة قدراته، واستخدام رقابي قد يهدد حريته وخصوصيته، ووضع ضمانات متناسبة مع خطورة كل مجال.

حماية العقل مسؤولية قانونية وأخلاقية

لا يمكن إنكار ما تحمله التقنيات العصبية من آمال للمرضى والباحثين، ولا يجوز تجاهل المخاطر التي قد تنشأ عندما تنتقل من العلاج إلى المراقبة والتحقيق والتسويق. فالمطلوب ليس إغلاق أبواب العلم، بل منع تحوّل التقدم العلمي إلى وسيلة لانتهاك الكرامة الإنسانية.

لقد اعتاد الإنسان أن يحمي أسراره بالصمت، وأن يختار ما يكشفه للآخرين وما يحتفظ به لنفسه. أما اليوم، فقد أصبح من الضروري أن تتطور القوانين لحماية المجال الداخلي للعقل، وألا يُترك الإنسان وحيداً أمام أجهزة قد تستخلص معلومات عنه دون أن يدرك تماماً حدودها أو نتائج استخدامها.

وبين حكمة الشاعر القديم وتحذيرات المؤسسات الدولية، تتبلور معركة جديدة حول معنى الحرية في العصر الرقمي: هل يظلّ للإنسان حقّ في الاحتفاظ بأفكاره لنفسه، أم تصبح أسرار الدماغ مادة قابلة للقياس والتحليل والاستغلال؟

إنّ آخر حصون الخصوصية ليس الدماغ وحده، بل القانون الذي يمنع تحويله إلى مساحة مستباحة. فالتكنولوجيا قد تتقدم بسرعة، لكن قيمتها الحقيقية ستظلّ رهينة قدرتنا على إخضاعها للعدالة، لا إخضاع الإنسان لها.