الكراس المدعّم.. دعمٌ على الورق واحتكارٌ في الواقع!
430 مليماً للكراس 48 ورقة، 950 مليماً لـ72 ورقة، و1400 مليم لـ96 ورقة... أسعار أعلنتها الدولة لتخفيف أعباء العودة المدرسية، لكن بين السعر الرسمي وما يعيشه المواطن في الواقع، مسافة شاسعة عنوانها: الندرة، الطوابير، وتقنين البيع.
منذ 17 أوت 2026، أعلنت الدولة عن توفير الكراس المدرسي المدعّم في المكتبات، مع تأكيد تنظيم مسالك التوزيع وضمان وصول هذه المادة الأساسية إلى المواطن بالسعر المحدد.
على الورق، تبدو العملية واضحة: كراس مدعّم، سعر معلوم، ومسالك توزيع منظمة.
أما في الواقع، فالحكاية مختلفة تماماً.
المواطن الذي يتوجه إلى المكتبة بحثاً عن الكراس المدعّم يجد نفسه في كثير من الأحيان أمام طابور طويل وانتظار مرهق، لينتهي به الأمر إلى الحصول على كراسين فقط من كل صنف، وفق الكميات التي تحددها بعض المكتبات.
كراسان فقط... والولي أمام طوابير متكررة!
إذا كان للولي طفل واحد، ويرغب في اقتناء حاجياته من الكراس المدعّم، فقد يجد نفسه مضطراً إلى العودة إلى المكتبة والوقوف في الصف مرات عديدة.
أما إذا كان لديه طفلان أو ثلاثة، فإن المسألة تتحول إلى معاناة حقيقية، خصوصاً في ظل محدودية الكميات المعروضة.
فما معنى أن توفر الدولة الكراس المدعّم، ثم لا يستطيع المواطن شراء حاجته منه؟
وما معنى تنظيم مسالك التوزيع إذا كان المواطن لا يجد الكراس أصلاً عندما يصل إلى المكتبة؟
المشكلة لا تتوقف عند طول الطوابير، بل إن المواطن قد يقضي وقتاً طويلاً في الانتظار، ثم يكتشف أن الكمية نفدت قبل وصول دوره.
لا كراس... لا تفسير... وعودة إلى نقطة الصفر.
نصف ساعة بيع في اليوم؟
وفق شهادات مواطنين، لا يتجاوز توفر الكراس المدعّم في بعض نقاط البيع نصف ساعة يومياً، وبكميات محدودة جداً، وهو ما يجعل عملية الحصول عليه أشبه بسباق مع الزمن.
قد يصل المواطن في الموعد، وقد ينتظر، وقد يحاول مرة وأخرى، لكنه في النهاية لا يجد شيئاً.
وهنا يتحول الكراس المدعّم من وسيلة لتخفيف أعباء العودة المدرسية إلى مصدر جديد للإرهاق والإحباط.
المواطن لا يطالب بامتياز، بل يطالب بحقه في شراء منتج حددت الدولة سعره وأعلنت عن توفيره.
أين يذهب الكراس المدعّم؟
السؤال الأكثر إلحاحاً هنا ليس فقط: لماذا لا يتوفر الكراس؟
بل أيضاً: أين تذهب الكميات المدعّمة التي يفترض أن تصل إلى المواطنين؟
ففي الوقت الذي يقف فيه الأولياء في الطوابير دون ضمان الحصول على كراسات أبنائهم، تظهر كميات من الكراس المدعّم خارج المسالك المنظمة، بل وتُعرض أحياناً في الشوارع وبأسعار تفوق السعر الرسمي بأضعاف.
كراس يحمل سعراً محدداً على غلافه، لكن المواطن قد يجده في السوق الموازية بسعر يصل إلى ثلاثة أضعاف السعر الذي حددته الدولة.
هنا لا يعود الأمر مجرد نقص في التزويد، بل يصبح السؤال مشروعاً حول مسالك التوزيع والرقابة والجهات التي تستفيد من هذه الفجوة بين السعر الرسمي والسعر المتداول.
دعمٌ للمواطن أم دعمٌ لا يصل إلى المواطن؟
الدعم يفقد جزءاً كبيراً من معناه عندما يكون المنتج المدعّم موجوداً على الورق، لكن المواطن عاجز عن الوصول إليه.
فالدولة تتحمل كلفة الدعم حتى يباع الكراس بسعر مناسب للعائلات، وخاصة في فترة العودة المدرسية التي تعرف ارتفاعاً كبيراً في المصاريف.
لكن عندما يضطر الولي إلى قضاء ساعات في الطوابير، والعودة عدة مرات إلى المكتبة، ثم يفشل في الحصول على حاجته، قبل أن يجد الكراس نفسه معروضاً في السوق الموازية بأسعار مرتفعة، فإن السؤال يصبح أكبر من مجرد أزمة كراس.
إنها مسألة حوكمة وتوزيع ورقابة ونجاعة دعم.
المواطن يدفع من ماله... ومن وقته وكرامته
الحديث عن تكلفة الكراس المدعّم لا يجب أن يقتصر على السعر المالي.
فالمواطن يدفع أيضاً من وقته، وأعصابه، وجهده، وأحياناً كرامته، وهو يقف في طوابير طويلة من أجل منتج من المفترض أن يكون متاحاً بشكل طبيعي في المكتبات.
وليّ له ثلاثة أطفال لا ينبغي أن يصبح مجبراً على العودة إلى المكتبة مرات متتالية حتى يتمكن من شراء الكمية الضرورية لأبنائه.
والأكثر إيلاماً أن يقف المواطن في الصف، ثم يكتشف أن الكمية نفدت، في حين يرى بعد ذلك الكراس نفسه يُباع في السوق الموازية بأضعاف سعره.
المطلوب ليس الوعود... بل كشف المسالك
المطلوب اليوم ليس فقط الإعلان عن توفر الكراس المدعّم، وإنما ضمان توفره فعلياً وبكميات تتناسب مع الطلب، ومراقبة مسالك توزيعه من المصدر إلى المكتبة، ثم من المكتبة إلى المواطن.
كما أن تحديد سقف البيع للمواطن قد يكون مفهوماً في ظل الندرة ومحاولات الاحتكار، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى حل دائم يجعل الولي مجبراً على العودة خمس مرات للحصول على حاجيات طفل واحد.
المطلوب أيضاً تكثيف عمليات المراقبة في السوق الموازية، ومعرفة مصدر الكميات التي تباع خارج السعر الرسمي، وتطبيق القانون على كل من يثبت تورطه في المضاربة أو الاحتكار أو إعادة بيع المواد المدعّمة.
فلا يعقل أن يكون الكراس المدعّم بـ430 مليماً، ثم يصبح في السوق الموازية سلعة تباع بثلاثة أضعاف سعرها، بينما يقف المواطن عاجزاً عن الحصول عليه بالسعر الذي حددته الدولة.
كراس مدعّم... لكن المواطن هو الذي يدفع الثمن!
في النهاية، القضية ليست قضية كراس فقط.
إنها صورة مصغرة عن مفارقة مؤلمة: الدولة تدعم، والمواطن يبحث، والمكتبة تحدد الكمية، والطوابير تطول، والكراس يختفي من الرفوف، ثم يظهر في السوق الموازية بسعر مضاعف.
وبين كل هذه الحلقات، يبقى المواطن الحلقة الأضعف.
فإذا كان الهدف من الدعم هو حماية العائلات من ارتفاع كلفة العودة المدرسية، فإن نجاح السياسة لا يقاس بما هو مكتوب على الغلاف أو بما تعلنه البلاغات الرسمية، بل بما يجده الولي فعلياً على رف المكتبة، وبالسعر المعلن، دون طوابير مهينة ودون رحلة بحث شاقة عن كراس يفترض أن يكون متاحاً للجميع.
الكراس المدعّم موجود... لكن أين المواطن الذي يستطيع شراءه؟


