تحل سنة 2026 الذكرى السبعون لانبعاث سلك المعتمدين بالجمهورية التونسية وهو حدث يتجاوز البعد الاحتفالي لاستحضار مسار إحدى أقدم المؤسسات الوظيفية التي رافقت نشأة الدولة الوطنية الحديثة منذ الاستقلال وأسهمت في ترسيخ أسسها القانونية والإدارية والترابية.
فقد ارتبط إحداث خطة المعتمد بإرساء منظومة الإدارة الترابية للدولة باعتبارها الآلية المؤسسية الكفيلة بضمان وحدة السلطة العمومية ونفاذ القانون واستمرارية المرفق العام على كامل تراب الجمهورية، ومن هذا المنطلق اضطلع المعتمد بصفته ممثلا للسلطة المركزية على المستوى المحلي، بمهام تتجاوز الإشراف الإداري التقليدي لتشمل التنسيق بين مختلف المصالح العمومية ومتابعة تنفيذ السياسات الوطنية وضمان احترام التراتيب والقوانين والمحافظة على النظام العام ومرافقة برامج التنمية والتدخل في إدارة الأزمات والكوارث والملفات ذات الحساسية الاقتصادية والاجتماعية.
وعلى امتداد سبعة عقود ظل سلك المعتمدين أحد المكونات الأساسية للإدارة الترابية التونسية ورافدا من روافد استمرارية الدولة في مختلف المراحل السياسية التي عرفتها البلاد، فقد شهد هذا السلك تحولات عميقة رافقت تطور وظائف الدولة وتنامي أدوارها غير أن جوهر مهمته ظل ثابتا ويتمثل في ضمان الحضور الفعلي للسلطة العمومية وتجسيد وحدة الدولة وسيادة القانون داخل المجال الترابي للجمهورية.
وتكمن خصوصية هذه الوظيفة في الجمع بين المسؤولية الإدارية والبعد السيادي إذ يجد المعتمد نفسه في موقع يقتضي اتخاذ القرار والتنسيق والتدخل العاجل في ملفات متشعبة تتصل بالأمن والتنمية والاستثمار والشؤون الاجتماعية وإدارة المرفق العام.بما يجعل مسؤوليته القانونية والأخلاقية والمؤسساتية من بين أكثر المسؤوليات تعقيدًا داخل هرم الإدارة العمومية.
ورغم هذه المكانة المحورية ما زال سلك المعتمدين يفتقر إلى نظام أساسي خاص ومستقل يترجم خصوصية المهام الموكولة إليه ويؤسس لمنظومة متكاملة للحقوق والواجبات والضمانات المهنية. كما تبرز الحاجة إلى مزيد تدعيم الحماية القانونية لممثلي الدولة أثناء مباشرتهم لمهامهم بالنظر إلى ما يواجهونه من ضغوط ميدانية ومخاطر مرتبطة بطبيعة الوظيفة وحساسية القرارات المتخذة في إطارها فضلا عن ضرورة مراجعة مسارات التكوين والتأهيل والتقييم بما يستجيب لمقتضيات الحوكمة الحديثة والتحول الرقمي للإدارة.
هذا ويمثل إحياء الذكرى السبعين لانبعاث سلك المعتمدين مناسبة لتجديد الاعتراف بالدور التاريخي الذي اضطلعت به هذه المؤسسة في بناء الدولة التونسية واستقرارها كما يفرض التفكير في مستقبل الإدارة الترابية من منظور إصلاحي يوازن بين متطلبات النجاعة الإدارية ومقتضيات دولة القانون ويعزز مكانة ممثلي الدولة باعتبارهم أحد أهم ضمانات وحدة الجمهورية واستمرارية مؤسساتها وحسن تنفيذ سياساتها العمومية.
وفي هذا السياق، يبقى تكريم أجيال المعتمدين الذين خدموا الدولة بإخلاص وتفان واجبا وطنيا ومؤسساتيا كما يبقى تطوير الإطار القانوني والمهني المنظم للسلك استحقاقا إصلاحيا ينسجم مع مكانته الدستورية ووظيفته الاستراتيجية في صون هيبة الدولة وتعزيز فاعلية الإدارة العمومية وخدمة المصلحة الوطنية العليا.
إيمان مزريقي



