في مشهد بدا وكأنه مأخوذ من فيلم كارثي، اجتاحت موجة فيضان هائلة مناطق واقعة على الحدود بين نيبال والصين، بعدما اندفعت مياه عاتية عبر الوديان، حاملة معها الصخور والطين والأشجار والحطام، وجارفة في طريقها قرى وجسورًا وطرقًا ومنشآت مختلفة.
لكن خلف هذه الكارثة سؤال يفرض نفسه بقوة: من أين جاءت كل هذه المياه، وكيف تحولت في وقت قصير إلى قوة قادرة على تدمير كل ما يعترض طريقها؟
انهيار في أعالي الهيمالايا أشعل الكارثة
بدأت الأحداث في منطقة جبلية مرتفعة من الهيمالايا، عندما انهارت كميات ضخمة من الجليد والصخور، وانزلقت الكتلة باتجاه مجرى النهر.
ومع تراكم الصخور والجليد والطين والحطام داخل المجرى، تشكل سد طبيعي مفاجئ أغلق جزءًا من طريق المياه.
في البداية، بدا الأمر وكأنه حاجز طبيعي، لكن النهر واصل تدفقه، لتبدأ المياه في التجمع خلف هذا السد، ومع ارتفاع منسوبها ازداد الضغط على الحاجز الهش.
ثم جاءت اللحظة الأخطر...
انهار السد الطبيعي، وانطلقت المياه المتجمعة دفعة واحدة باتجاه المناطق الواقعة أسفل النهر.
من سد من الحطام إلى موجة مدمرة
لم يكن الحاجز الذي تشكل في الجبال سدًا هندسيًا من الخرسانة والحديد، وإنما كان مزيجًا غير مستقر من الصخور والجليد والطين والحطام.
ومع تراكم المياه، لم يعد هذا الحاجز قادرًا على مقاومة الضغط، فانهار بصورة مفاجئة، محررًا كمية هائلة من المياه في وقت قصير.
لكن الخطر لم يكن في المياه وحدها.
فالموجة حملت معها الصخور والأشجار والطين وقطع الحطام، فتحولت إلى تيار مدمر عالي الطاقة، بدا في بعض المقاطع المصورة أشبه بتسونامي يندفع داخل مجرى النهر.
ومع اكتساب المياه سرعة هائلة أثناء نزولها من المناطق الجبلية، اتسعت دائرة الدمار لتصل إلى المناطق المأهولة الواقعة أسفل النهر.
هل كان زلزال وراء الكارثة؟
مع انتشار المشاهد الأولى للفيضان، ظهرت تكهنات بشأن احتمال تسبب زلزال في انهيار الصخور والجليد.
لكن التحليلات الزلزالية اللاحقة أشارت إلى أن الحركة التي تم رصدها كانت مرتبطة بالانهيار الجليدي والصخري وتدفق الحطام، وليس بالضرورة نتيجة زلزال مستقل سبق الكارثة.
وبذلك، يبدو أن سلسلة الأحداث بدأت أساسًا من انهيار جبلي ضخم أدى إلى سد مجرى النهر، قبل أن يؤدي انهيار السد الطبيعي إلى إطلاق المياه المتجمعة.
قرى وجسور وطرق في مواجهة المياه
عندما وصلت الموجة إلى المناطق الواقعة أسفل النهر، لم تترك خلفها سوى مشاهد للدمار.
فقد جرفت المياه السيارات والأشجار وأجزاء من المباني، كما انهارت جسور وتضررت طرق، فيما امتدت آثار الكارثة إلى معبر راسوا غادي الحدودي بين نيبال والصين، ما تسبب في اضطراب حركة النقل والعبور.
وأسفرت الكارثة عن سقوط قتلى، فيما بقي مئات الأشخاص في عداد المفقودين، وسط ظروف صعبة تواجه فيها فرق الإنقاذ تحديات كبيرة بسبب انهيار الطرق والجسور وتراكم الصخور والطين.
الخطر لم ينتهِ بعد
ورغم انحسار المياه في بعض المناطق، فإن الخطر لا يزال قائمًا، خصوصًا في المناطق الجبلية التي قد تشهد انهيارات جديدة.
فأي انهيار آخر يمكن أن يسد مجرى النهر من جديد، ويشكل سدًا طبيعيًا تتجمع خلفه المياه، قبل أن ينهار بصورة مفاجئة ويطلق موجة جديدة باتجاه المناطق المنخفضة.
وهنا تكمن خطورة هذا النوع من الكوارث؛ إذ يمكن أن تبدأ العملية بانهيار واحد في منطقة جبلية نائية، لكنها تتحول خلال فترة قصيرة إلى كارثة تمتد لمسافات كبيرة.
عندما يتحول الجبل إلى سد والنهر إلى قوة تدميرية
ما حدث على الحدود بين نيبال والصين يوضح بصورة دراماتيكية كيف يمكن للطبيعة أن تبني، في دقائق أو ساعات، سدًا من الجليد والصخور والحطام، ثم تحوله إلى مصدر لخطر هائل.
جليد وصخور تسقط من الجبال، ومجرى نهر يُغلق، ومياه تتراكم خلف حاجز هش، ثم انهيار مفاجئ يطلق موجة من الماء والطين والحطام...
وهكذا، لم تكن الكارثة مجرد فيضان عادي، بل سلسلة متتابعة من الأحداث الجيولوجية والمائية، انتهت بموجة مدمرة اجتاحت كل ما وجدته في طريقها.


