عبد العزيز وأميمة المحرزي: ثنائية الدم والركح.. وعلاقة كبرى تصنع سحر المسرح

عبد العزيز وأميمة المحرزي: ثنائية الدم والركح.. وعلاقة كبرى تصنع سحر المسرح

بقلم عزيز بن جميع 

لا يمكن قراءة الإبداع الطاغي للفنانة أميمة المحرزي في مسرحية "إقامة شهيرة" بمعزل عن تلك العلاقة الكبرى، العميقة والاستثنائية، التي تربطها بوالدها المخرج المحنك والفنان القدير عبد العزيز المحرزي. فهذه العلاقة تتجاوز المفهوم التقليدي لقرابة الدم أو رابطة الأبوة، لتشكل حالة نادرة من التماهي الروحي والانصهار الفني المطلق بين "المايسترو" وملهمته، وبين صانع الأجيال ووريثته الشرعية على خشبة المسرح.

إن المتأمل في مسيرة أميمة، وفي أدائها الباهر المليء بالكاريزما في هذا العمل الأخير، يدرك فوراً حجم هذه الوشيجة الكبرى، والتي يمكن تفكيك أبعادها في التجليات التالية:

الأب كـ "مدرسة حية" ومحراب للإبداع

لم يكن عبد العزيز المحرزي بالنسبة لأميمة مجرد أب، بل كان أكاديميتها الأولى ومدرستها الحية التي لا تنضب. لقد نشأت في كنف رجل يتنفس المسرح، وتنفست معه غبار الركح منذ نعومة أظفارها. هذا الحضور الأبوي الفني المكثف زرع في جيناتها صرامة المهنة، واحترام الخشبة، وأسرار التفكيك الدرامي للشخصيات. العلاقة هنا هي علاقة "الأستاذ" الذي يواصل بكل عنفوان عطاءه الفني، بـ "التلميذة النجيبة" التي تلتقط إشاراته وتترجمها إلى سحر مرئي.

التخاطر الروحي ولغة العيون على الخشبة

في مسرحية "إقامة شهيرة" (المقتبسة عن كارلو غولدوني)، يتجلى أثر هذه العلاقة الكبرى في ما يمكن تسميته بـ "التخاطر الروحي". حين يوجه المخرج عبد العزيز المحرزي ابنته، فهو لا يحتاج إلى كثير من الكلمات؛ هناك لغة سرية مشتركة وتفاهم مبني على نظرات العيون ونبرة الصوت. هذا الفهم المتبادل والعميق سمح لأميمة بأن تتحرر من كل القيود، وتنفلت نحو أقصى درجات الإبداع، لتملأ فضاء الركح وتحوله إلى مساحتها الخاصة، محولةً رؤية والدها الإخراجية إلى نبض حي يلامس وجدان المتلقي.

التمثيل كـ "فعل محبة" واحتفاء بمسيرة مستمرة

إن الهيمنة الفنية التي فرضتها أميمة في هذا العمل، رغم صغر مساحة دورها، تنبع من شحنة عاطفية هائلة ومحرك وجداني أساسه "الوفاء الخلاق". وقوفها أمام إدارة والدها المخرج الذي يواصل رسالته الفنية بكل اقتدار، جعل من أدائها بمثابة رسالة حب حية، واحتفاء مستمر بعظمة مسيرته. هي لا تمثل فقط لتبدع، بل تمثل لتكرم أباها في كل حركة، وكل سكنة، وكل إيماءة جسدية، مبرهنةً أن إرثه الفني بأيادٍ أمينة ومبدعة.

امتداد لرحلة فنية مشتركة

هذه العلاقة الكبرى لم تولد صدفة في "إقامة شهيرة"، بل هي امتداد لرحلة ومشاريع مشتركة، لعل أبرزها مسرحية "غروب"، ومحطات أخرى راكمت فيها أميمة خبرتها تحت جناح والدها، وبجانب والدتها الكريمة وعمالقة آخرين كنجا المهداوي. هذا التراكم جعل من علاقتها بوالدها البوصلة التي توجه طاقتها، والسند الذي يمنحها الثقة لتكون تلك البؤرة المركزية الجاذبة على الركح.

في النهاية، تمثل أميمة وعبد العزيز المحرزي ثنائية تذكرنا بأن أعظم الأعمال الفنية هي تلك التي تُعجن بصدق المشاعر الإنسانية. وعلاقة أميمة بوالدها هي "السر العظيم" الذي يجعل المسرح معها ليس مجرد أداء، بل نبض حياة وعناق أرواح تحت أضواء الركح.