بقلم: عزيز بن جميع
في زمن طغت فيه البرامج الترفيهية السريعة والمحتويات الاستهلاكية على المشهد السمعي البصري، بدا وكأن البرامج الثقافية فقدت قدرتها على استقطاب الجمهور الواسع، واكتفت بدور هامشي لا يتجاوز النخب والمهتمين. غير أن بعض التجارب الإعلامية تثبت بين الحين والآخر أن الثقافة لا تزال قادرة على صناعة الحدث متى وجدت من يقدمها برؤية حديثة وأسلوب جذاب.
ومن بين هذه التجارب يبرز اسم الإعلامي معاذ بن نصير، الذي نجح في فرض حضوره كأحد أبرز الوجوه الإعلامية الثقافية في تونس، من خلال برنامج "Zone Culture" الذي يبث أسبوعياً على قناة "تلفزة تي في"، مقدماً نموذجاً مختلفاً أعاد الاعتبار للمحتوى الثقافي الجاد.
ويرى متابعون أن معاذ بن نصير استطاع أن يملأ جانباً من الفراغ الذي تركته البرامج الثقافية الجماهيرية التي صنعت نجاحها في فترات سابقة، من بينها البرنامج الشهير "تحت السور"، وذلك بفضل أسلوبه السلس وقدرته على تبسيط المواضيع الفكرية والثقافية دون الإخلال بقيمتها المعرفية.
ولعل أبرز ما يميز تجربة "Zone Culture" هو نجاحها في كسر الصورة التقليدية للبرنامج الثقافي القائم على الخطاب النخبوي المغلق، حيث يقدم معاذ بن نصير مادة ثقافية حية تتقاطع مع اهتمامات المشاهد اليومية، وتفتح المجال أمام حوارات ثرية مع فنانين ومبدعين ومفكرين من مختلف المجالات.
كما ساهم حضوره الإعلامي وكاريزمته الواضحة في جذب فئات جديدة من الجمهور إلى متابعة الشأن الثقافي، وهو ما جعل البرنامج يتحول تدريجياً إلى موعد أسبوعي ينتظره العديد من المشاهدين الباحثين عن محتوى مختلف يجمع بين المتعة والفائدة.
وفي وقت راهن فيه البعض على تراجع جاذبية البرامج الثقافية، جاءت تجربة معاذ بن نصير لتؤكد أن الجمهور لا يرفض الثقافة، بل يبحث عن طريقة جديدة لتقديمها، تقوم على الإبداع والتجديد واحترام ذكاء المشاهد.
إن ما يحققه "Zone Culture" اليوم يتجاوز حدود النجاح التلفزي العادي، ليصبح رسالة مفادها أن الثقافة قادرة على المنافسة وصناعة نسب مشاهدة محترمة عندما تُقدَّم في قالب عصري ومهني. وهو ما يجعل من معاذ بن نصير أحد أبرز الأسماء التي تعمل على إعادة التوازن إلى المشهد الإعلامي التونسي، وإحياء العلاقة بين الشاشة والثقافة في زمن تتسارع فيه التحولات الإعلامية بشكل غير مسبوق.



