بقلم عزيز بن جميع
في زمن أصبح فيه البريق سريعاً، والنجومية تُقاس أحياناً بسرعة الانتشار، تختار الإعلامية هندة بن عبد الله طريقاً مختلفاً تماماً: تمشي على مهل، تبني حضورها بهدوء، وتراكم نجاحاتها بعيداً عن الضجيج. لكن المفارقة أن من لا يطارد الأضواء قد يصبح هو نفسه عنوانها الأبرز.
هكذا تدخل هندة بن عبد الله الموسم الإعلامي الجديد، محمّلة بخبرة تراكمت على امتداد سنوات، وبشخصية إعلامية باتت تعرف جيداً كيف تصنع الحوار، وكيف تستخرج من ضيوفها ما يتجاوز الإجابات الجاهزة.
الرصانة في الأداء، الذكاء في إدارة الحوار، والكاريزما الهادئة، عناصر اجتمعت لتمنحها حضوراً مختلفاً، حضوراً لا يعتمد على رفع الصوت ولا على صناعة الجدل المجاني، وإنما على القدرة على شدّ المشاهد وإبقائه داخل الحوار.
من «نهارك زين» إلى أثير IFM
لم يكن حضور هندة في المشهد التلفزيوني وليد الصدفة. فقد نجحت من خلال تجربتها في برنامج «نهارك زين» على قناة تونسنا في بناء علاقة خاصة مع الجمهور، مستفيدة من تلقائيتها وخفة ظلها وقدرتها على التعامل مع مختلف الضيوف.
ثم جاءت تجربتها الإذاعية عبر IFM لتكشف جانباً آخر من شخصيتها المهنية، حيث بدا واضحاً أن هندة لا تعتمد على الصورة فقط، بل تمتلك أدوات حوارية قادرة على فرض حضورها حتى عندما تغيب الكاميرا.
في الإذاعة، تصبح الكلمة وحدها هي الاختبار، وهناك استطاعت أن تضيف إلى تجربتها التلفزيونية عمقاً آخر، وأن تثبت أن الإعلامي الحقيقي قادر على الانتقال بين المنابر دون أن يفقد هويته.
شهادة الأمين النهدي.. حين يأتي الاعتراف من أهل المهنة
ولعل إحدى أقوى الإشارات إلى قيمة تجربتها تلك الإشادة التي حظيت بها من الفنان القدير الأمين النهدي، وهي شهادة لها وزنها، خصوصاً عندما تأتي من قامة فنية عرفت المشهد الثقافي التونسي لعقود.
فالإشادة من فنان بهذا الحجم لا تُقرأ فقط باعتبارها مجاملة، وإنما يمكن النظر إليها كاعتراف بقدرة إعلامية شابة على الاقتراب من الفنان والمبدع باحترام، وطرح الأسئلة التي تفتح أبواباً حقيقية للحوار.
وهذا بالضبط ما جعل تجارب هندة الحوارية تستقطب أسماء من عالم الفن والثقافة والإبداع، لتتحول برامجها تدريجياً إلى مساحة لا تكتفي باستضافة الضيف، وإنما تحاول اكتشاف الإنسان خلف الاسم.
لا تطارد النجومية.. ولذلك تقترب منها
هندة بن عبد الله لا تبدو في سباق مع أحد.
لا تستعجل الوصول، ولا تبحث عن صناعة نجومية مصطنعة، ولا تراهن على الإثارة من أجل الإثارة. إنها تختار مساراً أكثر صعوبة: أن تجعل من المهنية نفسها مصدر نجوميتها.
وهذا النوع من النجومية يحتاج إلى وقت، لكنه عندما يتحقق يكون أكثر رسوخاً.
لذلك، فإن الحديث عن هندة اليوم ليس مجرد حديث عن موسم تلفزيوني أو برنامج جديد، بل عن إعلامية استطاعت أن تبني لنفسها مكاناً خاصاً داخل مشهد مزدحم بالأسماء.
نجمة تمشي على مهل، نعم... لكنها تعرف تماماً إلى أين تمضي.
ومع انطلاق الموسم الجديد، تبدو هندة بن عبد الله أمام فرصة جديدة لتأكيد أن الحضور الحقيقي لا يُفرض بالصخب، وأن النجاح المستدام لا تصنعه الصدفة، بل تصنعه الموهبة، والرصانة، والاشتغال، واحترام الجمهور.
وربما يكون عنوان الموسم الأجمل:
هندة بن عبد الله.. لا تركض خلف الحدث، لكنها تعرف كيف تصبح هي الحدث.


