في تونس، لا يكاد يكتمل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف من دون طبق تتنافس العائلات في إعداده وتزيينه وتقديمه للضيوف. إنها عصيدة الزقوقو، تلك الحلوى التي تختصر في مذاقها حكاية طويلة عن الفقر والمجاعة، وعن قدرة التونسي على تحويل الحاجة إلى عادة، ثم إلى جزء من الذاكرة الجماعية.
لكن المفارقة أن هذه العصيدة التي تُقدّم اليوم في أوانٍ أنيقة وتُزيّن باللوز والبندق والفستق والكريمة، لم تكن في بداياتها طعاماً فاخراً على الإطلاق، بل ارتبط ظهور استعمال الزقوقو كغذاء بسنوات الجفاف ونقص الحبوب.
الحكاية بدأت من الجوع
يُستخرج «الزقوقو» من ثمار الصنوبر الحلبي، وهي أشجار تنتشر خصوصاً في المناطق الجبلية والغابية بالشمال والشمال الغربي التونسي.
وتربط روايات تاريخية انتشار استعمال الزقوقو في الغذاء بسنوات الجفاف والمجاعة التي عرفتها تونس عقب أحداث 1864 وثورة علي بن غذاهم، عندما تراجعت محاصيل القمح والشعير والدرع، فبحث السكان، خصوصاً في المناطق التي تنتشر فيها أشجار الصنوبر الحلبي، عن بدائل للحبوب التي أصبحت نادرة.
غير أن التاريخ الدقيق لظهور عصيدة الزقوقو بالشكل المعروف اليوم ليس محسومًا بشكل قاطع؛ فبعض الروايات تؤرخ لبداية استعمال الزقوقو غذائياً إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بينما تشير مصادر أخرى إلى أن العصيدة بصيغتها الاحتفالية تطورت في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بل إن رواية من الموروث الشفوي تشير إلى سنة 1939.
وهكذا، يبدو أن 1864 يمثل محطة مهمة في قصة الزقوقو كغذاء، وليس بالضرورة تاريخ ميلاد العصيدة بصورتها الحالية.
من غذاء الضرورة إلى طبق المولد
في البداية، كان الزقوقو بالنسبة إلى سكان المناطق الجبلية مادة غذائية تساعدهم على مواجهة ندرة الحبوب. ومع مرور الوقت، اكتشف التونسيون مذاقه وخصائصه، وبدأوا في تطوير طرق استعماله في المطبخ.
ومن هنا بدأت رحلة الزقوقو من طعام الضرورة إلى طعام المناسبات.
ويرجح أن ارتباطه بالمولد النبوي جاء تدريجياً، إلى أن أصبح طبقاً أساسياً على موائد المناسبة، خاصة في المدن والمناطق التي انتشر فيها هذا التقليد. ومع مرور العقود، لم تعد العصيدة مجرد أكلة، بل أصبحت جزءاً من طقوس المولد: تحضيرها عشية المناسبة، تجميع أفراد العائلة حولها، ثم توزيعها على الأقارب والجيران وتبادل أطباقها بين العائلات.
«أكلة الفقراء» التي أصبحت فاخرة
ربما تكون أغرب مفارقات قصة عصيدة الزقوقو أنها عاشت انقلاباً اجتماعياً كاملاً.
فبعد أن ارتبط الزقوقو في الذاكرة الشعبية بالفقر والمجاعة، بقيت العصيدة لفترة طويلة بعيدة عن موائد بعض العائلات الميسورة في تونس العاصمة، التي كانت تفضّل العصيدة البيضاء أو عصائد الفواكه الجافة.
وتشير روايات تاريخية إلى أن النظرة إلى الزقوقو بدأت تتغير تدريجياً، خصوصاً منذ سبعينيات القرن الماضي، عندما انتقلت العصيدة من طعام محدود الانتشار إلى طبق تتفنن العائلات في إعداده وتزيينه.
وهكذا، تحولت أكلة كانت تحمل في ذاكرتها صورة الجوع إلى حلوى فاخرة مرتبطة بالاحتفال والكرم والفرح.
وصفة تحولت إلى فن
إعداد عصيدة الزقوقو ليس مجرد عملية طبخ عادية، بل يحتاج إلى وقت وجهد.
تبدأ الرحلة بتنظيف حبات الزقوقو وغسلها وتجفيفها، ثم طحنها وتحويلها إلى عجينة، قبل استخراجها بالماء وتصفيتها بعناية. بعد ذلك يضاف الدقيق والسكر، وتوضع الخلطة على النار مع التحريك المستمر إلى أن تصل إلى القوام المطلوب.
ثم تأتي المرحلة التي جعلت من العصيدة مشهداً بصرياً بقدر ما هي طبق غذائي: التزيين.
طبقة من الكريمة أو ما يعرف بـ«الكريمة البيضاء»، ثم اللوز والبندق والفستق والجوز وغيرها من الفواكه الجافة، بأشكال وترتيبات تختلف من عائلة إلى أخرى.
وهنا أصبح لكل ربة بيت تقريباً «سرها» الخاص في إعداد العصيدة، ولكل عائلة طريقتها في اختيار المقادير والتزيين.
طبق يجمع العائلة
أهمية عصيدة الزقوقو في تونس لا تكمن في مكوناتها فقط، وإنما في الطقس الاجتماعي الذي يرافقها.
فعشية المولد، تتحول المطابخ إلى ورشات صغيرة: الزقوقو يُحضّر، المكسرات تُجهّز، والأواني البلورية تنتظر دورها.
وفي كثير من العائلات، يصبح الأطفال جزءاً من العملية، يراقبون مراحل إعداد العصيدة وينتظرون لحظة التزيين، بينما تتولى الأمهات والجدات الجزء الأكبر من العمل.
ثم تبدأ مرحلة أخرى من الحكاية: تبادل الأطباق.
طبق يذهب إلى الجيران، وآخر إلى الأقارب، وثالث إلى الأصدقاء، لتصبح العصيدة وسيلة للتواصل وصلة الرحم وتقاسم فرحة المناسبة. وهذا البعد الاجتماعي جعلها تتجاوز كونها وصفة لتصبح تقليداً تتناقله الأجيال.
من الشمال الغربي إلى كل تونس
وبالرغم من أن الزقوقو مرتبط أساساً بالمناطق التي تنتشر فيها أشجار الصنوبر الحلبي، فإن العصيدة انتشرت تدريجياً في مختلف أنحاء البلاد.
وأصبحت اليوم حاضرة في الشمال والوسط والجنوب، وإن كانت بعض المناطق لا تزال تحافظ على تقاليد أخرى في المولد، مثل العصيدة البيضاء المصنوعة من القمح أو السميد أو الفرينة، والتي تقدم مع العسل والسمن أو الزبدة.
وهذا التنوع يؤكد أن المولد في تونس ليس له طقس غذائي واحد، لكن عصيدة الزقوقو نجحت في أن تصبح الأكثر شهرة والأكثر ارتباطاً بصورة المولد في المخيال الشعبي التونسي.
الزقوقو.. ذاكرة اقتصادية أيضاً
وراء الطبق الجميل قصة اقتصادية لا تقل أهمية.
فموسم الزقوقو يوفر مورداً موسمياً لعدد من سكان المناطق التي تنتشر فيها أشجار الصنوبر الحلبي، بداية من جمع الثمار وصولاً إلى تنظيف الحبوب وتحضيرها وبيعها.
كما أن انتشار العصيدة خلق سوقاً واسعة مرتبطة بها: المكسرات، الكريمة، الأواني، محلات بيع الحلويات، وحتى خدمات إعداد العصيدة الجاهزة.
وهكذا تحولت أكلة مرتبطة بالمجاعة إلى سلسلة اقتصادية موسمية ترتبط كل عام بموعد المولد النبوي.
لماذا بقيت العصيدة رغم تغيّر الزمن؟
ربما تكمن الإجابة في أن التونسي لم يعد يرى في عصيدة الزقوقو مجرد طعام.
إنها ذاكرة الجدة، ودفء البيت، وطقوس المولد، وتبادل الأطباق، وفرحة الأطفال، ولمّة العائلة.
والمفارقة الكبرى أن الزقوقو، الذي دخل المطبخ التونسي في سياق ارتبط بالجفاف والحاجة، أصبح اليوم من أغلى مكونات حلويات المولد، وتحولت العصيدة من «أكلة فقراء» إلى طبق تتباهى العائلات بتزيينه وتقديمه.
إنها حكاية طبق تونسي لم يتوقف عند حدود المذاق؛ بل حمل معه تحولات المجتمع نفسه: من المجاعة إلى الوفرة، ومن الضرورة إلى الاحتفال، ومن طعام الفقراء إلى واحدة من أشهر أيقونات المولد في تونس.
وفي كل عام، عندما تبدأ رائحة الزقوقو في الانتشار داخل البيوت التونسية، لا تُطبخ العصيدة فقط... بل تُستعاد حكاية عمرها أكثر من قرن.


