قاميلة مارا… 117 عاماً من الحياة، وابتسامة لا تهزمها السنون!

قاميلة مارا… 117 عاماً من الحياة، وابتسامة لا تهزمها السنون!

بين أشجار الرمان وأزهار حديقتها، تواصل الألبانية قاميلة مارا رحلتها الاستثنائية مع الحياة، غير منشغلة بالأرقام القياسية ولا بالألقاب. امرأة عاصرت الحروب وسقوط الأنظمة، وودّعت أحباءها، لكنها لا تزال تجد سعادتها في فنجان قهوة، ووردة تحتاج إلى الماء، وبيت لا يخلو من الزائرين.

في قرية فيراس، الواقعة على بُعد نحو مئة كيلومتر جنوب العاصمة الألبانية تيرانا، تبدأ قاميلة مارا يومها بعادات بسيطة تشبهها: تكنس فناء منزلها، وتسقي أزهارها، وتطعم الدجاج، ثم تمضي في بستانها لتقطف حبات الرمان الناضجة. مشهد يومي عادي في ظاهره، لكنه يحمل حكاية امرأة بلغت عامها السابع عشر بعد المئة، وما زالت تستقبل الحياة بابتسامة.

«الحياة جميلة، مثل جبل تومور في أوج إزهاره»، تقول مارا لوكالة الصحافة الفرنسية، مستحضرةً صورة إحدى أعلى القمم في بلادها. عبارة تختصر فلسفتها في الحياة، وتكشف عن نظرة لا تزال تحتفظ بقدرتها على رؤية الجمال في التفاصيل الصغيرة، رغم ما حملته السنوات الطويلة من أفراح وأحزان.

امرأة عبرت قرناً من التحولات

وُلدت قاميلة مارا، وفق الوثائق الرسمية، في 19 أغسطس 1909، وعاشت مراحل تاريخية متعاقبة، من أصداء الحقبة العثمانية إلى الحرب العالمية الثانية، وصولاً إلى سقوط النظام الشيوعي في ألبانيا. وبين تغير الأنظمة والوجوه، بقيت قريتها وبيتها وأرضها جزءاً أساسياً من حياتها.

أمضت معظم سنوات عمرها في العمل بالأرض، تزرع طعامها بيديها وترعى الماشية، وتعيش على إيقاع الطبيعة بعيداً عن صخب المدن. وحين تتحدث عن العمر وما يحمله من أقدار، تقول بهدوء: «أنت تعيش ما قضى الله لك به».

لم تكن الأرقام يوماً شاغلها الأكبر، ولا يبدو أنها تسعى إلى تحويل عمرها إلى حكاية استثنائية لمجرد تحطيم الأرقام القياسية. ومع ذلك، فإن تاريخ ميلادها يضعها في قلب نقاش عالمي حول أكبر المعمّرين سناً.

هل تصبح أكبر امرأة في العالم؟

بحسب تاريخ ميلادها المثبت في وثائق عدة، تكبر مارا البريطانية إيثيل كاترهام بيومين. وتعترف موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية بكاترهام بوصفها أكبر امرأة على قيد الحياة في العالم، فيما تسعى عائلة مارا إلى تقديم الوثائق التي تثبت أحقية قريبتها في دخول سجل المعمّرين.

غير أن إثبات الأعمار الاستثنائية ليس مهمة سهلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص تجاوزوا المئة عام في مناطق لم تكن فيها سجلات الأحوال المدنية منتظمة دائماً. وقد أشارت دراسة حازت جائزة «إيغ نوبل» لعام 2024 إلى صعوبات التحقق من بعض حالات طول العمر، بما في ذلك الحالات المرتبطة بنقص السجلات أو بشبهات الاحتيال في المعاشات.

وتتمسك عائلة مارا بما لديها من وثائق، من بينها شهادة ميلاد صادرة عام 1945، وجواز سفر يعود إلى عام 1978، وبطاقة هوية حديثة، تحمل جميعها تاريخ الميلاد نفسه. وقد تواصل أقاربها مع موسوعة «غينيس» أملاً في أن تخضع قصتها للتحقق والاعتراف الرسمي.

لكن رحلة إثبات العمر لم تكن سهلة حتى داخل ألبانيا. فبحسب ابنها حسين، البالغ من العمر 80 عاماً، أوقفت السلطات معاش والدته عندما بلغت المئة، لأنها لم تصدق أنها لا تزال على قيد الحياة.

ويستعيد حسين تلك الواقعة قائلاً: «لم يصدّقوا أن والدتي لا تزال على قيد الحياة». واضطر إلى تقديم أدلة، بينها إفادات شهود، حتى استؤنف صرف معاشها المتواضع. وفي وقت سابق من الشهر نفسه، منحتها الحكومة الألبانية معاشاً خاصاً تقديراً لعمرها الاستثنائي.

سرّ العمر… أم جمال الحياة البسيطة؟

لا تقدم حياة مارا وصفة سحرية لطول العمر، ولا تدّعي امتلاك سرّ يتجاوز المألوف. ما يظهر في تفاصيل يومها هو ارتباط عميق بالأرض، وروتين بسيط يمنحها أسباباً للاستمرار والاستمتاع بالحياة.

تستيقظ باكراً، وتعتني بمنزلها، وتسقي الأزهار، وتتفقد الدجاج، ثم تجلس إلى فنجان قهوتها المفضلة. وبعد ذلك، تمضي في نزهتها المعتادة داخل البستان برفقة ابنها الذي يعيش معها، وتتوقف لقطف الرمان حين تنضج ثماره.

في هذا العالم الصغير، لا تزال تجد ما يستحق الاهتمام. الأزهار تحتاج إلى الماء، والأشجار تنتظر موسمها، والثمار تتبدل مع الفصول. وكأنها تقول، من دون خطب أو نصائح، إن الحياة لا تفقد معناها لمجرد أن السنوات تتراكم.

حبّ وذكريات تمتد عبر الأجيال

رحل زوج مارا قبل ستة وثلاثين عاماً، لكن ذكراه لا تزال حاضرة في قلبها. كان زواجاً تقليدياً رتّبته العائلة، غير أنها تتذكر سنواته بوصفها زمناً غنياً بالمحبة والود.

واليوم، تحيط بها أسرة شهدت تعاقب خمسة أجيال. أبناء وأحفاد وأطفال كبروا، وبنوا بيوتهم وحياتهم الخاصة، لتصبح العائلة سجلاً حياً لتحولات الزمن وامتداد الحياة من جيل إلى آخر.

ومع ذلك، لا تخلو ذاكرة مارا من الحزن. فعندما تستعيد أفراد عائلتها وأصدقاءها الذين رحلوا، تترقرق الدموع في عينيها، ويثقل الحنين قلبها للحظات. لكن اتصالاً هاتفياً من إحدى قريباتها، أو زيارة عابرة، قد يعيدان إليها ابتسامتها سريعاً.

تتحدث عن الأشخاص الذين شاهدتهم يكبرون ويتزوجون ويبنون بيوتهم، ثم تكشف عن مصدر سعادتها بكلمات بسيطة: «حين أرى الناس يدخلون البيت ويخرجون منه، أكون في غاية السعادة».

بالنسبة إليها، لا تقاس الحياة بعدد السنوات وحده، بل بالأصوات التي تملأ البيت، والوجوه التي تعبر عتبته، والزيارات التي تكسر صمت الأيام. فدفء العائلة ورفقة الأحبة يظلان من أثمن ما يمكن أن يحتفظ به الإنسان مهما امتد به العمر.

صورة واحدة تختصر تسعة عقود

من شبابها البعيد، لم تحتفظ مارا إلا بصورة واحدة تعود إلى نحو قرن من الزمن. تظهر فيها فتاة بملامح نضرة ووشاح أبيض يشبه إلى حد بعيد الوشاح الذي لا تزال تضعه على رأسها اليوم.

تتأمل الصورة وتبتسم، ثم تقول: «كان عمري 18 عاماً!».

بين تلك الشابة التي حفظتها الصورة والمرأة التي تجلس اليوم أمام منزلها، تمتد أكثر من تسعة عقود من الحكايات: حروب وأنظمة تبدلت، وأحباء غادروا الحياة، وأجيال ولدت وكبرت، وبيوت شُيّدت، وذكريات تراكمت حتى أصبح العمر نفسه قصة تستحق أن تُروى.

ومع ذلك، لا تبدو مارا أسيرة الماضي، ولا منشغلة كثيراً بما قد يكتبه التاريخ عنها. فما زالت تستيقظ كل صباح، وتعتني بأزهارها، وتتفقّد بستانها، وتقطف الرمان حين ينضج، وتفسح في قلبها مكاناً للفرح.

قد تحصل يوماً على اعتراف «غينيس» بوصفها أكبر امرأة في العالم سناً، وقد يظل لقبها خاضعاً للتدقيق والتحقق. لكن حكايتها تتجاوز الأرقام القياسية، لأنها تروي حياة امرأة وجدت في البساطة ما يمنح أيامها معناها.

في عالم يطارد الأرقام ويحسب الأعمار، تواصل قاميلة مارا كتابة قصتها بطريقتها الخاصة: فنجان قهوة في الصباح، ووردة تحتاج إلى الماء، وحبة رمان ناضجة، وبيت لا يخلو من الزائرين.

تلك ليست تفاصيل عابرة في يوم امرأة بلغت 117 عاماً، بل هي، بالنسبة إليها، الحياة نفسها؛ جميلة، مثل جبل تومور حين يزهر.