عاشت منذ العصر البرونزي وما تزال تثمر.. شجرة زيتون عمرها 3700 عام تحيّر العلماء!

عاشت منذ العصر البرونزي وما تزال تثمر.. شجرة زيتون عمرها 3700 عام تحيّر العلماء!

في زاوية هادئة من منطقة ألينتيجو جنوب البرتغال، تقف شجرة زيتون استثنائية تتحدى الزمن. «أوليفيرا دو بيسو» ليست مجرد شجرة معمّرة، بل كائن حي يُرجّح أنه بدأ نموه قبل أكثر من 3700 عام، وما يزال إلى اليوم ينمو وينتج الزيتون.

تحتفظ البرتغال في أحضانها واحدة من أقدم أشجار الزيتون المعروفة في العالم، وهي شجرة «أوليفيرا دو بيسو» (Oliveira do Peso)، التي تشير تقديرات علمية إلى أن عمرها قد يتجاوز 3700 عام.

وبحسب إحدى الدراسات، يقدّر عمر الشجرة بنحو 3712 عامًا، ما يعني أنها بدأت نموها قرابة 1700 قبل الميلاد، أي خلال العصر البرونزي، قبل آلاف السنين من ظهور الإمبراطورية الرومانية.

شجرة كانت موجودة قبل آلاف السنين

توجد الشجرة في منطقة ألينتيجو جنوب البرتغال، ويُعتقد أنها أقدم شجرة زيتون تم تحديد عمرها في البلاد حتى الآن.

لكن الوصول إلى هذا الرقم لم يكن بالأمر السهل، إذ يواجه العلماء مشكلة كبيرة عند محاولة تحديد أعمار أشجار الزيتون شديدة القِدم.

فبعكس بعض أنواع الأشجار التي يمكن تقدير أعمارها عبر عدّ حلقات النمو، لا تسمح أشجار الزيتون القديمة بهذه الطريقة بسهولة. ومع مرور آلاف السنين، تتحلل أجزاء من قلب الجذع وتختفي، كما أن حلقات النمو لا تكون دائمًا منتظمة وواضحة بما يكفي لاحتسابها بدقة.

وهنا دخل العلم على الخط.

معادلة رياضية تكشف عمر الشجرة

منذ عام 2007، يعمل باحثون من جامعة Trás-os-Montes e Alto Douro (UTAD) بالتعاون مع مؤسسة Oliveiras Milenares على تطوير طريقة غير مدمرة لتقدير أعمار أشجار الزيتون المعمّرة.

وتقوم التقنية على قياس عدد من الخصائص الفيزيائية للشجرة، من بينها قطر الجذع ومحيطه وارتفاعه ونصف قطره، ثم إدخال هذه المعطيات في نموذج رياضي يسمح بتقدير عمر الشجرة.

وتكمن أهمية هذه الطريقة في أنها لا تتطلب قطع الشجرة أو الوصول إلى مركز جذعها، وهو أمر بالغ الحساسية عندما يتعلق الأمر بكائن حي قد يكون عمره آلاف السنين.

وقد استُخدمت الطريقة نفسها لتقدير أعمار عدد من أشجار الزيتون التاريخية في البرتغال، من بينها شجرة Oliveira do Mouchão قرب أبرانتس، التي يقدّر عمرها بنحو 3350 عامًا، إلى جانب أشجار أخرى تتراوح أعمارها المقدرة بين 2400 و2850 عامًا.

المفاجأة.. الشجرة العجوز ما تزال تثمر!

لكن عمر «أوليفيرا دو بيسو» ليس وحده ما يجعلها استثنائية.

فالشجرة التي يُعتقد أنها شهدت آلاف السنين من تاريخ البشرية، ما تزال حية وتنمو وتنتج الزيتون حتى اليوم.

ويبلغ ارتفاعها نحو ستة أمتار، بينما يصل محيط جذعها إلى قرابة 10 أمتار، في مشهد يعكس حجم التحولات التي مرت بها خلال آلاف السنين.

ويرى العلماء أن السر وراء هذا العمر الاستثنائي قد يكمن في واحدة من أهم خصائص أشجار الزيتون: قدرتها المذهلة على تجديد نفسها.

فحتى عندما تموت أجزاء قديمة من الجذع أو تتعرض للتحلل، يمكن لأجزاء أخرى من الشجرة أن تظل حية، وتنتج براعم وسيقان جديدة، لتواصل الشجرة بذلك دورة حياتها عبر أجيال متعاقبة.

وأوضح الباحث في جامعة UTAD، خوسيه لويس لوزادا، أن أجزاء من جذع شجرة الزيتون، مهما بلغ عمرها، يمكن أن تحتفظ بقدرتها على إنتاج براعم جديدة.

كما تتمتع أشجار الزيتون بقدرة عالية على التكيف مع الظروف المناخية الصعبة، خصوصًا الحرارة والجفاف وانخفاض الرطوبة، وهي ظروف لطالما ميزت مناطق البحر المتوسط.

3712 عامًا.. رقم علمي أم تقدير؟

ورغم الرقم المثير للإعجاب، فإن العلماء يحرصون على التأكيد على نقطة مهمة: 3712 عامًا هو تقدير علمي وليس عمرًا مثبتًا بصورة مطلقة.

فالعمر لم يُحدد من خلال عدّ 3712 حلقة نمو، كما لم يتم العثور على قطعة خشب متصلة تعود إلى بداية حياة الشجرة ويمكن إخضاعها مباشرة للتأريخ بالكربون المشع.

ولهذا السبب، فإن التعبير العلمي الأكثر دقة هو أن عمر الشجرة يُقدّر بنحو 3700 عام.

ومع ذلك، يبقى الرقم مذهلًا بكل المقاييس.

فإذا صحت هذه التقديرات، فإن «أوليفيرا دو بيسو» كانت تنمو في البرتغال منذ العصر البرونزي، في زمن كانت فيه حضارات قديمة تشق طريقها في التاريخ، قبل الإمبراطورية الرومانية بقرون طويلة، وقبل ولادة الإسكندر الأكبر بأكثر من ألف عام.

شاهد حي على آلاف السنين

مرت على الأرض حروب وإمبراطوريات وسلالات وحضارات، وتغيرت المدن والحدود واللغات، بينما بقيت هذه الشجرة في مكانها، تكافح الزمن وتعيد بناء نفسها عامًا بعد عام.

وربما تكمن عظمة «أوليفيرا دو بيسو» الحقيقية في أنها لا تمثل مجرد رقم قياسي في العمر، بل ذاكرة حيّة للطبيعة.

شجرة بدأت حياتها قبل نحو 3700 عام، وما تزال حتى اليوم تمد أغصانها وتنتج ثمارها، لتروي بصمت قصة لا تستطيع الكتب وحدها أن تحفظها: قصة آلاف السنين من الحياة والصمود والتجدد.