منذ سنة 2011، تعيش كرة القدم التونسية تحت وطأة ما يُعرف بـ"الدواعي الأمنية"، تلك العبارة التي تحولت مع مرور السنوات إلى مبرر جاهز لحرمان الجماهير من التنقل خلف فرقها، ولفرض حضور جماهير الفريق المستضيف فقط، مع تقليص طاقة استيعاب الملاعب إلى النصف أو أقل في بعض الأحيان.
خمسة عشر عامًا كاملة مرت بعد الثورة، ولا تزال الكرة التونسية عاجزة عن العودة إلى وضع طبيعي تعيشه أغلب بطولات العالم، رغم أن الإشكاليات المرتبطة بالملاعب وأحداث الشغب ليست حكرًا على تونس، بل هي ظاهرة موجودة في مختلف أنحاء المعمورة، وتتعامل معها الدول عبر التنظيم والتأمين والتطبيق الصارم للقانون، لا عبر معاقبة الجميع وحرمان الملايين من حقهم في متابعة فرقهم.
القرارات الأمنية المتواصلة لم تؤثر فقط على الأجواء الرياضية، بل ساهمت في خنق الأندية ماليًا، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تعيشها الفرق التونسية. فالجماهير التي تمثل القلب النابض لكرة القدم تحولت إلى غائب أكبر عن الملاعب، ما تسبب في تراجع مداخيل التذاكر، وضرب قيمة المنتوج الكروي محليًا وتسويقيًا.
وفي المقابل، يأتي نهائي كأس تونس المبرمج يوم الأحد 31 ماي بملعب رادس بين الترجي الرياضي الجرجيسي والترجي الرياضي التونسي ليطرح أسئلة محرجة حول حقيقة المعايير المعتمدة. فقد تقرر السماح بحضور جماهير الفريقين مع تخصيص المداخيل لفائدة الجامعة التونسية لكرة القدم، في وقت اختفى فيه فجأة الحديث عن "الدواعي الأمنية" التي لازمت مباريات البطولة لسنوات طويلة.
هذا التناقض دفع كثيرين إلى التساؤل: إذا كان تأمين حضور جماهير الفريقين ممكنًا في مباراة نهائية كبرى ذات ضغط جماهيري وإعلامي هائل، فلماذا يصبح الأمر مستحيلًا في بقية مباريات البطولة؟ ولماذا تستمر سياسة المنع منذ 15 سنة كاملة دون تقديم حلول جذرية تعيد الحياة الطبيعية للملاعب؟
ويرى متابعون للشأن الرياضي أن الأمن الرياضي ليس قائمًا على العقوبات الجماعية، بل على مبدأ تحميل المسؤولية لمن يخرق القانون. فمعاقبة جماهير كاملة بسبب تجاوزات فردية لم يعد مقبولًا في دولة يفترض أن مؤسساتها الأمنية قادرة على تحديد المخالفين ومحاسبتهم.
كما يعتبر كثيرون أن من يرتكب جرمًا داخل الملاعب يجب أن يُعاقب بصفة فردية وحازمة، بدل اعتماد سياسة العقاب الجماعي التي أضرت بصورة الكرة التونسية وأفقدت الملاعب نكهتها التاريخية.
فالسيطرة على التجاوزات الأمنية تبقى جزءًا أساسيًا من عمل الوحدات الأمنية، مثلما يحدث في مختلف دول العالم، حيث تتم إدارة المباريات الكبرى بحضور جماهيري كامل رغم وجود مخاطر وشحن جماهيري أكبر بكثير مما تعرفه الملاعب التونسية.
اليوم، وبعد 15 سنة من القيود، تبدو الكرة التونسية أمام لحظة مصارحة حقيقية: هل المشكلة فعلًا أمنية، أم أن "الدواعي الأمنية" تحولت إلى شماعة جاهزة لتبرير فشل منظومة كاملة في إيجاد حلول عصرية تعيد الجماهير إلى المدرجات وتحفظ في الآن نفسه الأمن والنظام؟
ويبقى الثابت أن كرة القدم دون جماهير تفقد روحها، وأن استمرار سياسة المنع لم يعد يقنع الشارع الرياضي الذي بات يطالب أكثر من أي وقت مضى بعودة الملاعب إلى أصحابها الحقيقيين: الجماهير.



