مع بداية السنة الدراسية، تبدأ في تونس، بالتوازي مع الدروس داخل الأقسام، حركة أخرى خارج أسوار المدرسة: الدروس الخصوصية.
ومع أن بعض الأولياء يلجؤون إليها بدافع الخوف على مستقبل أبنائهم ورغبة في مساعدتهم على تحسين مستواهم، فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح قبل دفع أي مبلغ هو: هل يحتاج الطفل فعلًا إلى درس إضافي، أم أننا نضعه منذ البداية داخل دائرة الاعتماد على الدروس الخصوصية؟
والأهم من ذلك: ماذا سيتدارك التلميذ في الثلاثي الأول، وهو ما يزال يتعلم ولم يخضع بعد إلى اختبارات تكشف مواطن ضعفه؟
«دروس تدارك».. تدارك ماذا؟
التسمية في حد ذاتها تستحق التوقف.
الدروس التي تُقدّم للتلميذ في بداية السنة الدراسية تُسمّى في كثير من الأحيان «دروس تدارك»، لكن التدارك يفترض وجود تعثر أو نقص أو عدم استيعاب سابق يحتاج إلى معالجة.
أما الطفل الذي بدأ لتوه دراسة برنامجه الجديد، ولم يُمنح بعد الوقت الكافي للتعلم والممارسة والتقييم، فكيف نقرر مسبقًا أنه يحتاج إلى «تدارك»؟
هنا تكمن إحدى المفارقات التي يجب أن ينتبه إليها الأولياء: ليس كل طفل يحتاج إلى درس إضافي، وليس كل خوف من تأخر الطفل يعني وجود مشكلة تعليمية.
فالطفل يحتاج أولًا إلى فرصة حقيقية ليتعلم داخل القسم، وأن يخطئ، ويسأل، ويحاول، ويعيد المحاولة، قبل أن نقرر أنه غير قادر على استيعاب الدرس.
حين يتحول الدرس الخصوصي من علاج إلى عادة
الخطر لا يكمن فقط في كلفة الدروس الخصوصية على ميزانية الأسرة، وإنما في احتمال تحولها إلى سلوك تعليمي دائم.
فالطفل الذي يعرف مسبقًا أن كل درس سيعاد شرحه له خارج المدرسة قد يفقد تدريجيًا جزءًا من دافعيته للإنصات والتركيز داخل القسم.
وقد تتشكل لديه، من دون أن يشعر، فكرة خطيرة:
«لا بأس إن لم أفهم الآن.. سيشرح لي أحدهم الدرس لاحقًا.»
وهنا يصبح درس التدارك، الذي يفترض أن يكون حلًا لمشكلة حقيقية، جزءًا من المشكلة نفسها.
فالدماغ يحتاج إلى التركيز والمواجهة والمحاولة حتى يبني التعلم. أما إذا اعتاد الطفل منذ السنوات الأولى على تلقي شرح ثانٍ جاهز بعد كل حصة، فقد يصبح الاعتماد على الآخر أسهل من بذل الجهد لفهم الدرس من المرة الأولى.
لا تحرموا أبناءكم من فرصة المحاولة
التعلم ليس عملية آلية.
قد لا يفهم الطفل درسًا من المرة الأولى، وهذا أمر طبيعي. وقد يحتاج إلى إعادة الشرح أو التمرين أو التدرّب، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه يحتاج فورًا إلى أستاذ خصوصي.
أحيانًا يحتاج الطفل إلى وقت، وهدوء، ومراجعة بسيطة في المنزل، وتشجيع من وليه، وسؤال معلمه عن النقطة التي لم يفهمها.
بل إن بعض الأطفال يحتاجون قبل كل شيء إلى التخلص من الخوف من الخطأ.
فالطفل الذي يعتقد أن عليه فهم كل شيء فورًا قد يشعر بالفشل عند أول صعوبة، بينما الطفل الذي يتعلم أن الخطأ جزء طبيعي من عملية التعلم يصبح أكثر قدرة على المحاولة والاستمرار.
لماذا لا ينبغي الاستعجال في الثلاثي الأول؟
الثلاثي الأول هو مرحلة بناء واكتشاف وتقييم.
المعلم يتعرف إلى مستوى التلاميذ، والتلميذ يتأقلم مع البرنامج الجديد، وتظهر تدريجيًا مواطن القوة والضعف.
لذلك فإن الإسراع في إدخال الطفل في منظومة الدروس الخصوصية منذ الأسابيع الأولى قد يكون سابقًا لأوانه.
والأفضل أن ينتظر الولي ظهور حاجة حقيقية وملموسة: صعوبة مستمرة في مادة معينة، ضعف واضح رغم المتابعة والمراجعة، أو توصية تربوية مبنية على ملاحظة فعلية لمستوى الطفل.
أما أن يبدأ الطفل الدروس الخصوصية لمجرد أن زملاءه بدأوا، أو لأن الولي يخشى أن يتأخر عن الآخرين، فذلك قد يحول الدرس الإضافي من استثناء إلى قاعدة.
التدارك يكون لمن يحتاجه فعلًا
وهنا يجب التفريق بين مفهومين:
التدعيم هو مساعدة إضافية يمكن أن يحتاجها بعض التلاميذ لتعزيز تعلمهم.
أما التدارك فهو تدخل لمعالجة تعثر أو نقص ظهر بالفعل.
لذلك، فإن التدارك يفترض تشخيصًا أولًا، ثم تدخلًا مناسبًا.
ولا معنى لتدارك شيء لم يتبين أصلًا أنه يحتاج إلى تدارك.
ولهذا من المهم أن تكون أي معالجة لصعوبات التعلم مبنية على تقييم فعلي لمستوى الطفل، وليس على القلق أو المقارنة بالآخرين.
الولي ليس مطالبًا بأن يكون أستاذًا خصوصيًا
من أكثر الأخطاء شيوعًا أن يشعر الولي بأنه إذا لم يسجل ابنه في درس خصوصي فإنه يقصر في حقه.
لكن دور الأسرة لا يتمثل في إعادة المدرسة إلى المنزل.
دور الولي هو المتابعة، والاستماع، وتنظيم الوقت، وتشجيع الطفل، والتأكد من إنجاز واجباته، والتواصل مع المدرسة عند ظهور صعوبة حقيقية.
أما تحويل البيت إلى قسم إضافي، والطفل إلى مشروع دراسي لا ينتهي، فقد يقتل لديه الرغبة في التعلم بدل أن يقويها.
فالطفل يحتاج أيضًا إلى اللعب والراحة والنوم والحركة والوقت مع عائلته.
لا تجعلوا الطفل يدفع ثمن خوفكم
الخوف على مستقبل الأبناء أمر طبيعي، لكن التربية لا تُبنى على الخوف وحده.
ليس صحيحًا أن كل طفل يأخذ درسًا خصوصيًا سيكون أفضل، وليس صحيحًا أن الطفل الذي لا يأخذ درسًا إضافيًا سيكون متأخرًا.
المعيار الحقيقي هو حاجته الفعلية.
راقبوا أبناءكم، تحدثوا معهم، تابعوا كراساتهم وواجباتهم، واستمعوا إلى ملاحظات معلميهم. وإذا ظهرت صعوبة حقيقية، ابحثوا عن الحل المناسب لها.
أما أن نقرر منذ الأسبوع الأول أن الطفل «يحتاج إلى تدارك»، فقط لأن السوق التعليمية من حوله يقول ذلك، فهنا يجب التوقف.
رسالة إلى الأولياء
قبل أن تدفعوا أموالكم في درس خصوصي لطفل لم يُمتحن بعد ولم تظهر لديه صعوبة حقيقية، اسألوا أنفسكم:
هل يحتاج طفلي فعلًا إلى التدارك؟ أم أنني أستبق المشكلة خوفًا من حدوثها؟
امنحوا أبناءكم فرصة أن يفهموا، وأن يخطئوا، وأن يحاولوا، وأن يتعلموا بأنفسهم.
فأخطر ما يمكن أن نزرعه في عقل الطفل ليس أن يفشل في فهم درس من المرة الأولى، وإنما أن يقتنع بأنه غير قادر على فهم أي درس من دون شخص آخر إلى جانبه.
التدارك علاج عند الحاجة.. أما جعله عادة منذ بداية السنة فقد يصنع اعتمادًا لا حاجة للطفل إليه.


