أزمة المياه المعدنية في تونس.. 31 مصنعاً تنتج الماء، فمن يبتلعه قبل أن يصل إلى المواطن؟

أزمة المياه المعدنية في تونس.. 31 مصنعاً تنتج الماء، فمن يبتلعه قبل أن يصل إلى المواطن؟

أين يذهب الماء الذي تنتجه المصانع؟ ومن يملك حق معرفة مسالكه من المصنع إلى المستهلك؟ وهل أصبحت الدولة تراقب القارورة بعد أن تختفي من الرفوف، أم تراقبها وهي لا تزال داخل المصنع؟

هذه ليست مجرد أزمة قارورة ماء، ولا مجرد ارتفاع موسمي في الطلب. ما عاشه التونسيون خلال شهر أوت كشف خللاً أعمق في منظومة الإنتاج والتوزيع والرقابة، خصوصاً عندما أصبح المواطن يبحث عن قارورة ماء كما يبحث عن مادة نادرة، بينما تؤكد الجهات المهنية أن وحدات الإنتاج تواصل العمل.

وبحسب الغرفة النقابية الوطنية لمنتجي المشروبات غير الكحولية، يضم القطاع حالياً 31 مصنعاً للمياه المعدنية، وكانت هذه الوحدات تعمل بأقصى طاقاتها الممكنة خلال فترة الأزمة. كما نفت الغرفة وجود نية لحجب المنتوج أو افتعال النقص أو المضاربة، وأرجعت الاضطراب أساساً إلى الارتفاع الاستثنائي في الطلب، واستنزاف المخزونات الاحتياطية، إلى جانب تأثير اضطرابات الكهرباء على بعض وحدات الإنتاج.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة يبقى قائماً:

إذا كان الإنتاج متواصلاً، فأين تذهب القوارير؟

186 ألف لتر محجوزة.. و291 مخالفة في قطاع المياه

الأرقام الرسمية لا تسمح بالتعامل مع الموضوع باعتباره مجرد إشاعة أو "لهفة" لدى المواطنين.

فبين 1 و18 أوت، رفعت مصالح المراقبة الاقتصادية 3826 مخالفة، من بينها 291 مخالفة في قطاع المياه المعدنية مرتبطة بالتجاوزات السعرية والممارسات الاحتكارية، كما تم حجز 186543 لتراً من المياه المعدنية.

وفي نابل تحديداً، تم في إحدى العمليات حجز 5427 قارورة بسبب إخفاء البضاعة والامتناع عن بيعها لتجار التفصيل والتفريط في كميات منها لتجار متجولين غير مصرحين، وهي ممارسات قالت الإدارة الجهوية للتجارة إنها أدت إلى إرباك مسالك التوزيع والترفيع غير المبرر في الأسعار.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:

إذا كان هناك ماء موجود فعلاً، ولكنه لا يصل إلى المواطن، فالمشكلة ليست في القارورة وحدها، بل في المسلك الذي تسلكه القارورة.

هل تحوّل التوزيع إلى الحلقة الأضعف؟

وزارة التجارة اضطرت إلى التدخل ميدانياً لضمان التزويد، حيث تم في نابل مثلاً ضخ عشرات الآلاف من القوارير، مع برمجة كميات إضافية وتحت إشراف فرق المراقبة الاقتصادية والأمنية، تحديداً للتصدي للاحتكار وتجار الأزمات.

وهذا يفتح باباً مهماً للتحقيق:

هل المشكلة في الإنتاج؟
أم في التوزيع بالجملة؟
أم في التخزين؟
أم في التفصيل؟
أم في تداخل هذه الحلقات كلها؟

الجواب لا يجب أن يكون سياسياً ولا انطباعياً، بل يجب أن يكون بالأرقام والفواتير وكشوفات المخزون ومسالك النقل والبيع.

فالدولة، إذا كانت تعرف عدد الوحدات المنتجة، وتراقب القطاع، وتفرض الفوترة، وتراقب الأسعار ومسالك التوزيع، يفترض أن تكون قادرة على الإجابة عن سؤال بسيط للغاية:

كم أنتجت كل شركة؟ وكم باعت؟ ولمن باعت؟ وأين ذهبت الكميات؟

وماذا عن حكاية تصدير المياه إلى الجزائر أو منها؟

وسط حالة القلق، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي رواية تقول إن الجزائر قامت بتصدير مياه معدنية إلى تونس، في محاولة لتفسير النقص المسجل في السوق.

لكن هذه الرواية نُفيت من الجانب الجزائري. فقد أكد المدير العام لجمعية منتجي المشروبات الجزائريين عيسى زلماتي عدم تسجيل صادرات رسمية للمياه المعدنية الجزائرية نحو تونس خلال صيف 2026.

وبالتالي لا يجوز تحويل هذه المعلومة إلى حقيقة من دون وثائق جمركية أو بيانات رسمية.

لكن النفي لا يلغي السؤال الأصلي، بل يجعله أكثر إلحاحاً:

إذا لم تأتِ القوارير من الجزائر، وإذا كانت المصانع التونسية تقول إنها تنتج، فأين اختفت الكميات التي كان يفترض أن تكون موجودة في الأسواق؟

هنا تحديداً يجب أن يبدأ التحقيق الحقيقي.

الدولة أمام اختبار الرقابة

الأزمة كشفت أيضاً مفارقة صعبة: الدولة تفرض الأسعار، وتقوم بالحجز، وتحرر المخالفات، وتلاحق المحتكرين، لكنها في المقابل مطالبة بأن تكون أكثر شفافية في كشف الخريطة الكاملة للسوق.

وزارة التجارة ضبطت منذ 19 أوت هوامش الربح القصوى للمياه المعدنية، وحددت أسعار البيع للعموم حسب سعة القارورة، كما شددت على ضرورة التعامل عبر مسالك توزيع منظمة واحترام واجب الفوترة والاستظهار بالفواتير أثناء عمليات المراقبة.

لكن المواطن يريد أكثر من ذلك.

يريد أن يعرف:

كم قارورة دخلت السوق؟
كم قارورة خرجت من المصانع؟
كم منها وصل إلى تجار الجملة؟
كم تم بيعه بالتفصيل؟
كم تم حجزه؟
وكم بقي في المخازن؟

هذه ليست أسراراً تجارية عندما يتعلق الأمر بمادة أصبحت في لحظة من اللحظات حاجة أساسية مرتبطة بصحة المواطن وحقه في الماء.

لا اتهام بلا دليل.. لكن لا حماية لأحد

من الخطأ اتهام جميع المنتجين أو التجار بأنهم وراء الأزمة، كما من الخطأ أيضاً اعتبار كل ما يحدث مجرد مؤامرة أو "خطة سياسية" دون أدلة.

لكن من الخطأ الأكبر أن يُطلب من المواطن أن يصدق التفسيرات العامة بينما يرى بعينيه رفوفاً فارغة وأسعاراً تتغير من محل إلى آخر.

فالاحتكار، إن ثبت، جريمة اقتصادية يجب أن تعاقب. وإخفاء البضاعة أو الامتناع عن البيع أو التلاعب بمسالك التوزيع ليست وجهة نظر تجارية، وإنما ممارسات تخضع للقانون، وقد كشفت عمليات الرقابة بالفعل عن حالات من هذا النوع.

والدولة مطالبة، في المقابل، بأن تتحمل مسؤوليتها كاملة: لا بالتبرير، بل بالرقابة والشفافية والمحاسبة.

الماء ليس سلعة عادية

في بلد يعاني أصلاً من ضغوط مائية وانقطاعات في مياه الشرب، يصبح الماء المعلب أكثر من مجرد منتج تجاري.

عندما تنقطع مياه الحنفية أو تتراجع الثقة في انتظام التزويد، يتحول المواطن تلقائياً إلى السوق الخاصة بالمياه المعلبة. وعندما تختفي القارورة من السوق، يصبح المواطن رهينة لمن يملك المخزون.

وهنا تكمن خطورة المسألة.

أن يعاني التونسي من نقص الماء شيء، وأن يجد الماء موجوداً في مكان ما ولا يستطيع الوصول إليه شيء آخر.

الأول أزمة موارد.
أما الثاني، إذا ثبت أنه نتيجة إخفاء أو احتكار أو تلاعب بالمسالك، فهو أزمة رقابة وأزمة دولة وأزمة أخلاق اقتصادية قبل أن يكون أزمة ماء.

المطلوب الآن: كشف الحقيقة كاملة

لا نحتاج إلى بيانات تطمئن المواطن فقط، بل إلى تحقيق شفاف يضع كل الأرقام على الطاولة.

ليُكشف حجم إنتاج كل مصنع خلال شهر أوت، وحجم مبيعاته، ومسالك توزيعه، وأسماء كبار الموزعين، وكميات المخزون، والكميات التي تم حجزها، ومآلها.

وليتم أيضاً التدقيق في كل عمليات التصدير والتوريد ذات الصلة، حتى تُغلق أبواب الشائعة ويعرف التونسي أين ذهب ماؤه.

فإذا ثبت وجود محتكرين، فلتكن العقوبات صارمة ورادعة.

وإذا ثبت تقصير في الرقابة، فلتتم محاسبة المقصرين.

وإذا ثبت أن الأزمة ناتجة فعلاً عن ارتفاع الطلب واضطرابات الإنتاج، فليُشرح ذلك للتونسيين بالأرقام لا بالشعارات.

أما أن يبقى المواطن أمام قارورة مفقودة، وسعر متضخم، ورفوف فارغة، وتفسيرات متناقضة، فذلك أمر لا يمكن أن يستمر.

الماء حق وحاجة أساسية، ومن يحوّل حاجة التونسي إلى فرصة للربح غير المشروع يجب أن يتحمل مسؤولية فعله كاملة.

هذه ليست معركة ضد شركات المياه، ولا ضد التجار، ولا ضد الدولة.

إنها معركة من أجل معرفة الحقيقة: من أين خرج الماء؟ وأين ذهب؟ ومن منع التونسي من الوصول إليه؟

موضوع مفتوح على التحقيق والمتابعة.