لم يكن الحادث المأساوي الذي هزّ تونس ليلة أمس وأودى بحياة عاملتين فلاحيتين وأصاب أخريات مجرد حادث مرور عابر في طريق ريفية منسية بل كان إعلانا جديدا عن سقوط منظومة كاملة عجزت لسنوات عن حماية النساء اللواتي يحملن على أكتافهن جزءا كبيرا من الأمن الغذائي التونسي، ومع خروج المسيرات الاحتجاجية اليوم عادت صور الأحذية الملطخة بالدماء والشاحنات المقلوبة إلى الواجهة لتعيد طرح السؤال ذاته الذي يلاحق الدولة والمجتمع منذ سنوات لماذا تموت العاملات الفلاحيات في طريق العمل وكأن الموت جزء من عقد الشغل؟
تشكل النساء اليوم ما يقارب 70 بالمائة من اليد العاملة الفلاحية في الوسط الريفي ويقدر عدد العاملات بأكثر من 600 ألف امرأة وفق معطيات وزارة المرأة ومنظمات حقوقية تونسية، ورغم هذا الثقل الاقتصادي والاجتماعي فإن أغلب العاملات يشتغلن في ظروف هشة دون عقود قانونية أو ضمان اجتماعي أو تأمين ضد الحوادث المهنية والأخطر من ذلك أن تقارير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية تشير إلى أن 8 بالمائة فقط من العاملات يتمتعن بالتغطية الاجتماعية ما يعني أن آلاف النساء يعملن يوميا خارج أي حماية قانونية أو صحية وكأنهن غير مرئيات داخل الاقتصاد الوطني.
المأساة لا تبدأ داخل الحقول فقط بل منذ لحظة الخروج من البيت قبل طلوع الشمس فالعاملات ينقلن يوميا في شاحنات مخصصة للبضائع والحيوانات مكتظة بالأجساد بلا مقاعد أو أحزمة أمان أو شروط سلامة على طرقات ريفية متهالكة لهذا لم يعد التونسيون يسمونها “وسائل نقل” بل “شاحنات الموت”، وتشير إحصائيات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى تسجيل أكثر من 55 حالة وفاة و835 إصابة في حوادث مرتبطة بنقل العاملات الفلاحيات خلال السنوات الأخيرة بينما تعتمد حوالي 80 بالمائة من العاملات على النقل العشوائي للوصول إلى أماكن العمل هذه الأرقام لا تكشف فقط عن أزمة نقل بل عن كارثة اجتماعية وإنسانية مزمنة.
ورغم تكرار المآسي فإن الدولة التونسية ليست بلا قوانين ففي سنة 2019 صدر القانون عدد 51 المتعلق بإحداث صنف نقل بري خاص بالعاملين والعاملات في القطاع الفلاحي بهدف إنهاء النقل العشوائي داخل شاحنات البضائع ثم جاء الأمر الحكومي عدد 724 لسنة 2020 ليحدد المواصفات الفنية للعربات وشروط السلامة والتأمين الإجباري، وفي سنة 2024 صدر المرسوم عدد 4 الخاص بالحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات والذي نص على التغطية الصحية والتقاعد والتأمين ضد حوادث الشغل مع تحمل الدولة لمعاليم الاشتراك لفائدة العاملات غير الأجيرات خلال السنوات الأولى.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة إذا كانت القوانين موجودة فلماذا ما تزال النساء يمتن في الطريق إلى العمل؟
هل تحولت التشريعات إلى مجرد واجهة سياسية لا تصل إلى الحقول؟ ومن المسؤول عن تعطيل تطبيقها؟ وهل هي البيروقراطية؟ أم غياب الإرادة السياسية؟ أم ضعف الرقابة؟ أم منظومة اقتصادية تستفيد من هشاشة النساء ورخص أجورهن؟
الأزمة في حقيقتها أعمق من مجرد نقل غير آمن فالعاملات الفلاحيات يعشن هشاشة مركبة أجور ضعيفة، ساعات عمل طويلة، تعرض مباشر للمبيدات الكيميائية، غياب معدات الوقاية وانتشار الأمراض المزمنة مثل الحساسية وأمراض المفاصل والعمود الفقري، كما تؤكد تقارير حقوقية أن نسبة كبيرة من العاملات تعرضن للعنف الاقتصادي أو اللفظي أو الجسدي أثناء العمل أو خلال التنقل في ظل غياب شبه كامل لآليات الحماية والرقابة.
وإذا كانت الدولة قد تأخرت في تحويل القوانين إلى واقع فإن الحلول اليوم لم تعد تحتمل التأجيل وأول هذه الحلول يتمثل في التطبيق الفوري لقوانين النقل الفلاحي ومنع نقل العاملات داخل شاحنات البضائع بشكل نهائي مع توفير أسطول نقل ريفي آمن ومدعوم من الدولة، كما تبرز ضرورة إحداث سجل وطني رقمي للعاملات الفلاحيات يضمن إدماجهن في منظومة الضمان الاجتماعي والتغطية الصحية والتقاعد، كذلك المطالبة بتشديد الرقابة على الوسطاء والسماسرة الذين يقتطعون جزءا من أجور النساء مقابل نقلهن إلى الحقول إضافة إلى مراجعة الأجر الأدنى الفلاحي بما يضمن حياة كريمة للعاملات.
الحلول لا يمكن أن تبقى تقنية فقط لأن القضية في جوهرها قضية عدالة اجتماعية وكرامة إنسانية فالنساء اللواتي يزرعن ويحصدن ويؤمن الغذاء للتونسيين لا يجب أن يواصلن دفع حياتهن ثمنا للعمل وما حدث ليلة أمس ليس حادثا معزولا لكنه نتيجة سنوات من التهميش والصمت والتأجيل.
ويبقى السؤال الأخطر الذي يطارد الجميع بعد كل جنازة جديدة:
كم امرأة يجب أن تموت بعد حتى تتحول “شاحنات الموت” من مجرد عنوان إعلامي إلى قضية وطنية تفرض لها حلول عاجلة لا بيانات تعزية؟




