في خضم التحديات الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية المتصاعدة التي تواجه الدولة التونسية على مختلف الأصعدة الداخلية والخارجية، تبرز بجلاء أكثر من أي وقت مضى ضرورة سيادية ملحة تتجاوز حدود المطالب القانونية والإجرائية وتتمثل في التعجيل بإرساء المحكمة الدستورية كهيئة ضامنة للحقوق والحريات، ففي هذا السياق التونسي الدقيق الذي يشهد تحولات بنيوية عميقة وتطلعات شعبية متزايدة نحو إرساء دعائم دولة القانون والمؤسسات الديمقراطية الراسخة يتبدى الحديث عن هذه المؤسسة الحيوية ليس كمجرد ترف فكري أو استحقاق دستوري يمكن تأجيله إلى أجل غير مسمى، إنما يمثل في حقيقته جوهرا أساسيا لسيادة الدولة ورمزا لقدرتها على حكم ذاتها وفقا لمبادئ القانون والدستور تمليه مقتضيات علوية الدستور الراسخة كثابت لا يقبل التهاون وتفرضه الحاجة الأكيدة إلى تحصين البناء القانوني للدولة من أي اهتزازات أو تجاوزات محتملة وضمان انتظام السير العادي والفعال للمؤسسات الدستورية بكامل طاقتها في إطار الاحترام الكامل واللامتناهي لمبادئ الشرعية الدستورية والفصل المتوازن والمرن والتعاوني بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية.
في مشهد هزّ الضمائر وأدمى القلوب، تحوّل سور إحدى المؤسسات التربوية بمدينة المزونة إلى شاهد مأساة، بعد أن انهار على مجموعة من التلاميذ، متسببًا في وفاة ثلاثة منهم وإصابة اثنين آخرين، في حادثة لم تكن إلا حلقة جديدة من سلسلة الإهمال المزمن الذي ينخر جسد المدارس التونسية.
في قلب كل أمة تقف المدرسة كمرآة تعكس تطلعاتها، تحدياتها، ومستقبلها، وفي تونس هذه المرآة بدأت تتشقق تدريجا للتكسر أطرافها حتى غدا انعكاسها مشوشا، مضطربا بين ما كان يطمح إليه يوما وما آل إليه الواقع من خيبات مركبة، لسنوات ظل التعليم شعارا متكررا في الخطب الحكومية وأولوية معلنة في السياسات الوطنية غير أن النتائج على الأرض لا تعكس هذا الزخم الظاهري إنما تؤكد يوما بعد يوم أن النظام التعليمي قد أصبح عنوانا مأساويا لانفصام الدولة عن مشروعها المجتمعي.
في مشهد أعاد إلى الأذهان فاجعة المزونة التي أدمت القلوب وأثارت غضب الشارع التونسي، تحركت بلدية سوسة بشكل عاجل صباح اليوم الثلاثاء 15 أفريل 2025، لهدم سورين متداعيين بكل من المدرسة الابتدائية كدية مالك والمدرسة الابتدائية سيدي عبد الحميد، وسط تحذيرات متزايدة من تكرار المأساة في مناطق أخرى.
أحدث الفيديوهات على قناتنا
جاري تحميل الفيديوهات...