قبل النظارات والليزر.. كيف عاش قصار النظر في العصور القديمة؟

قبل النظارات والليزر.. كيف عاش قصار النظر في العصور القديمة؟

اليوم، يمكن لملايين الأشخاص الذين يعانون من قصر النظر أن يستعيدوا وضوح الرؤية بواسطة النظارات أو العدسات اللاصقة أو عمليات تصحيح النظر، لكن هذه الحلول الحديثة تخفي سؤالاً تاريخياً مثيراً: كيف كان الإنسان يتعامل مع الأشياء البعيدة عندما لم تكن النظارات موجودة أصلاً؟

قبل قرون من ظهور العدسات الطبية، لم يكن أمام قصار النظر سوى التكيف مع عالم يرونه بوضوح من مسافة قريبة، بينما تتحول الأشياء البعيدة إلى صور ضبابية.

قصر النظر أقدم من النظارات بقرون

تعود أقدم الملاحظات المعروفة عن قصر النظر إلى الفيلسوف اليوناني أرسطو في نحو عام 350 قبل الميلاد، وفق ما أوردته Live Science.

ويحدث قصر النظر عندما تكون العين أطول من الشكل الطبيعي، فتتجمع الأشعة الضوئية أمام الشبكية بدلاً من أن تتركز عليها مباشرة. والنتيجة أن الأشياء القريبة تبدو واضحة، بينما تصبح الأجسام البعيدة أقل وضوحاً.

لكن معرفة المشكلة لم تكن تعني امتلاك وسيلة لعلاجها.

فبحسب نيل هاندلي، أمين متحف في كلية أطباء البصريات في لندن، ظهرت في أوروبا منذ القرن الثالث عشر عدسات محدبة محمولة باليد، كانت مخصصة أساساً لمساعدة الأشخاص الذين يعانون ضعف الرؤية المرتبط بالتقدم في العمر.

غير أن هذه العدسات لم تكن صالحة لتصحيح قصر النظر.

الانتظار قرنين من أجل العدسة المناسبة

احتاج الأمر إلى نحو قرنين إضافيين قبل ظهور استخدام العدسات المقعرة، وهي النوع الذي يمكن أن يصحح قصر النظر.

ومن أقدم الأمثلة الشهيرة على ذلك لوحة للبابا ليو العاشر رسمها الفنان الإيطالي رافائيل في أوائل القرن السادس عشر، يظهر فيها البابا ممسكاً بعدسة مقعرة.

وكان ليو العاشر ينتمي إلى عائلة ميديتشي، التي تشير المصادر إلى انتشار قصر النظر بين أفرادها.

وهكذا، لم يكن الانتقال من معرفة ضعف النظر إلى القدرة على تصحيحه سريعاً، بل استغرق الإنسان أكثر من ألف عام قبل أن تتطور الأدوات البصرية بالشكل الذي يسمح بمعالجة المشكلة عملياً.

هل كان قصر النظر أقل انتشاراً في الماضي؟

من الصعب تحديد معدلات قصر النظر في المجتمعات القديمة بدقة، بسبب غياب سجلات طبية واسعة ومنهجية.

لكن من المعروف أن انتشار قصر النظر ارتفع بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة، وتشير تقديرات بحثية إلى أن نحو نصف سكان العالم قد يعانون منه بحلول عام 2050.

كما أظهرت بيانات بريطانية ارتفاعاً كبيراً في معدلات قصر النظر بين الأطفال مقارنة بما كانت عليه في ستينيات القرن الماضي، بينما سجلت بعض مناطق شرق آسيا معدلات مرتفعة جداً.

ولا يملك العلماء تفسيراً واحداً لهذا التحول. فالعوامل الوراثية تلعب دوراً، لكن البيئة ونمط الحياة يرتبطان أيضاً بارتفاع معدلات قصر النظر، ومن بين العوامل التي تحظى باهتمام الباحثين قلة الوقت الذي يقضيه الأطفال في الهواء الطلق، إلى جانب أنماط الدراسة والعمل التي تتطلب تركيزاً طويلاً على مسافات قريبة.

عندما تحوّل ضعف النظر إلى «ميزة»

قبل ظهور النظارات، يبدو أن بعض المجتمعات لم تتعامل مع قصر النظر باعتباره مشكلة تستوجب التصحيح، وإنما تكيفت معه بطريقة مختلفة.

فالشخص الذي لا يستطيع رؤية الأشياء البعيدة بوضوح يمكن أن يجد نفسه في أعمال لا تتطلب النظر لمسافات طويلة، بل تحتاج إلى تركيز شديد على التفاصيل القريبة.

وتبرز هنا مهن مثل نسخ المخطوطات وتزيينها في الأديرة الأوروبية خلال العصور الوسطى، حيث كان العمل يتطلب التعامل مع تفاصيل دقيقة جداً على صفحات الكتب.

وبحسب هاندلي، من المحتمل أن يكون قصر النظر في بعض هذه البيئات قد منح صاحبه أفضلية عملية في مثل هذه الأعمال، بدلاً من أن يُنظر إليه حصراً باعتباره عجزاً بصرياً.

لكن هذه الفكرة تبقى تفسيراً تاريخياً، ولا تعني أن المجتمعات القديمة كانت تتبع عمداً برامج لاختيار الأشخاص قصار النظر لهذه المهن.

عالم يتكيف مع العين بدلاً من أن يعالجها

تكشف قصة قصر النظر جانباً مختلفاً من تاريخ الطب: فغياب التكنولوجيا لا يعني غياب القدرة على التكيف.

فبدلاً من تصحيح المشكلة بعد اكتشافها، كان الإنسان يكيّف عمله ومحيطه مع قدراته الجسدية. وقد يجد الشخص الذي يرى الأشياء القريبة بوضوح مكانه في مهنة تعتمد على الدقة، بينما قد تكون الأعمال التي تتطلب رؤية لمسافات بعيدة أكثر صعوبة بالنسبة إليه.

ومع تطور العدسات، تغيّر هذا الأمر جذرياً؛ فلم يعد الإنسان مضطراً إلى اختيار مهنته وفق حدود رؤيته، بل أصبح قادراً على تعديل الرؤية نفسها.

المشكلة لم تنتهِ.. بل اتخذت شكلاً آخر

ورغم التطور الهائل في طب العيون، لا تزال مشكلات ضعف البصر غير المصححة تؤثر في أعداد ضخمة من البشر، خصوصاً في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.

وقد تعني نظارة بسيطة بالنسبة لطفل القدرة على القراءة والتعلم، وبالنسبة للعامل القدرة على أداء وظيفته بأمان، وبالنسبة للسائق تقليل مخاطر مرتبطة بضعف الرؤية.

وهكذا، فإن تاريخ قصر النظر لا يحكي فقط قصة كيف اخترع الإنسان النظارات، بل يكشف أيضاً كيف انتقل عبر القرون من التكيف مع حدود العين إلى تغيير الطريقة التي ترى بها العين العالم.