رشيد قارة.. قامة مسرحية تونسية صنعت مجد الفن الرابع ورحلت وبقي أثرها

رشيد قارة.. قامة مسرحية تونسية صنعت مجد الفن الرابع ورحلت وبقي أثرها

في ذكرى ميلاده، الموافق لـ14 أكتوبر، تستعيد الذاكرة الثقافية التونسية مسيرة أحد كبار التمثيل والمسرح، الفنان الراحل رشيد قارة (14 أكتوبر 1930 – 28 مايو 2010)، الذي ترك بصمة بارزة في تاريخ المسرح التونسي الحديث، جامعاً بين التمثيل والإخراج والتكوين والإدارة الفنية والعمل النقابي، في مسيرة امتدت لعقود وأسهمت في تشكيل ملامح الفن الرابع في تونس.

لم يكن رشيد قارة مجرد ممثل يعتلي الخشبة لتجسيد الأدوار، بل كان من الفنانين الذين آمنوا بأن المسرح مشروع ثقافي متكامل، يحتاج إلى التكوين والتأطير والتنظيم، بقدر حاجته إلى الموهبة والإبداع.

من البدايات إلى التأسيس المسرحي

بدأ شغف رشيد قارة بالمسرح في خمسينيات القرن الماضي، حين خطا سنة 1950 خطواته الأولى في عالم التمثيل من بوابة جمعية «الكوكب التمثيلي»، قبل أن يلتحق سنة 1951 بـ«مدرسة التمثيل العربي»، حيث تعمّق اهتمامه بالفن المسرحي وأسسه.

وفي سنة 1959، تخرّج ضمن الدفعة الأولى المتحصلة على دبلوم الفن المسرحي من المدرسة ذاتها، ليبدأ مرحلة جديدة من مسيرته الفنية، مستنداً إلى تكوين ساعده على تطوير أدواته والاضطلاع بأدوار تتجاوز حدود الأداء التمثيلي.

وفي سنة 1955، كان قد انضم إلى «فرقة بلدية تونس للتمثيل العربي»، كما ساهم في إطلاق جمعية قدماء مدرسة التمثيل، في خطوة عكست اهتمامه بتعزيز الروابط بين المسرحيين وترسيخ العمل الجماعي داخل الوسط الفني.

بصمات إخراجية وحضور في المؤسسات الثقافية

لم يقتصر إسهام رشيد قارة على التمثيل، بل امتد إلى الإخراج والتأسيس الثقافي. ففي سنة 1959، شارك في تأسيس «مجلة المسرح»، التي مثّلت فضاءً لدعم الحركة المسرحية والاهتمام بقضاياها النقدية والفكرية.

وفي سنة 1960، أسس فرقة مسرحية خاصة، تولى من خلالها إخراج أعمال من بينها «لولا المحامي» و«فداء»، مؤكداً رغبته في خوض تجارب فنية تجمع بين الأداء والرؤية الإخراجية.

كما أخرج، خلال سنتي 1962 و1963، مسرحية «المعز بن باديس» لفرقة بلدية تونس، قبل أن يتولى إدارة الشؤون الإدارية للفرقة إلى جانب المسرحي الكبير علي بن عياد. وقد أتاح له هذا المسار الجمع بين الممارسة الفنية والمسؤولية الإدارية، والمساهمة في تنظيم العمل داخل إحدى أبرز المؤسسات المسرحية التونسية.

التكوين والدفاع عن الممثلين

كان التكوين المسرحي من المحاور الأساسية في تجربة رشيد قارة، إذ أولى أهمية كبيرة لنقل الخبرة إلى الأجيال الجديدة، من خلال تنظيم الورشات والتدريبات التطبيقية، والمساهمة في إحداث سنة تحضيرية لفائدة الراغبين في الالتحاق بمعهد التمثيل.

ولم يتوقف اهتمامه عند حدود التدريب وصقل المواهب، بل شمل أيضاً الأوضاع المهنية للممثلين. فقد أسس اتحاد الممثلين المحترفين وترأس مجلس إدارته، ساعياً إلى تنظيم العمل المسرحي والدفاع عن حقوق الفنانين وتعزيز مكانة الممثل في المشهد الثقافي.

وتكشف هذه المحطات عن فنان لم ينظر إلى المسرح باعتباره ممارسة إبداعية فردية فحسب، بل باعتباره فضاءً يحتاج إلى مؤسسات تحميه، وأجيال تتوارث خبراته، وبيئة مهنية تضمن استمراره وتطوره.

إرث فني يتجاوز حدود الزمن

رحل رشيد قارة في 28 مايو 2010، عن عمر ناهز الثمانين عاماً، تاركاً وراءه مسيرة ثرية في المسرح، إلى جانب مشاركاته في الأعمال التلفزيونية والسينمائية، وإسهاماته في التكوين والإدارة والعمل الثقافي.

وبعد سنوات من رحيله، تظل استعادة تجربته مناسبة للتذكير بجيل من الفنانين الذين لم يصنعوا تاريخ المسرح التونسي فوق الخشبة فقط، بل ساهموا أيضاً في بناء مؤسساته وتأطير ممارسيه والدفاع عن مكانته الثقافية.

إن رشيد قارة واحد من الأسماء التي تستحق أن تحضر باستمرار في الذاكرة الفنية التونسية، لا بوصفه ممثلاً من جيل الرواد فحسب، بل باعتباره فناناً جمع بين الموهبة والمسؤولية، وآمن بأن خدمة المسرح لا تنتهي بانطفاء الأضواء، وإنما تتواصل عبر التكوين والتأطير وصون الذاكرة.

عزيز بن جميع