بقلم عزيز بن جميع
يندر في تاريخ الفن العربي المعاصر أن تجد فناناً استطاع أن يحافظ على نقاء هويته، وسمو رسالته، وعمق صوته على مدى عقود طويلة، مثلما فعل "سوبرانو العالم العربي" الفنان التونسي لطفي بوشناق. خمسة عقود كاملة وهو يطرز بالكلمة الطيبة واللحن الأصيل وجدان أجيال متعاقبة، لم يساوم يوماً على مبدئه، ولم ينجرف خلف تيار الاستسهال أو التجاري الرخيص.
محبة الجمهور والقبول: عملة نادرة
هل اشترى لطفي بوشناق محبة الجمهور؟ هل اشترى النجاح العربي له؟ هل اشترى القبول؟
طبعاً لا.
فالمحبة الصادقة لا تُشترى بالمال، والقبول الجماهيري لا يُباع في أسواق الشهرة العابرة. ما ناله بوشناق من حب جارف في قلوب الملايين من المحيط إلى الخليج، وما حققه من نجاح عربي وعالمي، جاء ثمرةً طبيعيةً لعقود من العمل المضني، والاحترام الشديد لعقل المتلقي، والالتزام بقضايا الأمة والإنسان. لقد دخل بيوت القلوب من بابها الواسع بلا استئذان؛ لأنه غنّى بصدق، وصدقُ الإحساس هو الجسر الوحيد الذي يعبر مباشرة إلى الوجدان البشري دون وسيط.
حملات ممجوجة تستهدف نصف قرن من النقاء
حين يعجز الصغار عن مجاراة الكبار، ويلجأ العابثون إلى أساليب مظلمة للنيل من قامات شامخة، تظهر على السطح بين الحين والآخر حملات مرضية مغرضة تحاول عبثاً تشويه مسيرة استمرت نصف قرن من النجاح المضيء.
هذه الحملات التي تقودها أقلام مأجورة أو نفوس مريضة لا تدرك أن تاريخ لطفي بوشناق أرفع وأمنع من أن تهزه زوابع افتراضية أو أكاذيب عابرة. إنها محاولات بائسة ويائسة للنيل من رمز وطني وفني عربي، لطالما كان صوتاً لمن لا صوت له، وضميراً حياً ينبض بالحب والجمال والعروبة.
الهامة المرفوعة أبداً
إن التاريخ الفني والثقافي لا يكتبه المرتزقة، بل يخلده العظماء بأفعالهم وأصواتهم وبقايا أرواحهم المبثوحة في الأعمال الخالدة. ولطفي بوشناق، بسجله الناصع ومواقفه النبيلة وصوته الأوبرالي الفريد، سيبقى أكبر بكثير من كل هذه الدسائس والمؤامرات الصغيرة.
ظل شامخاً كشجر الزيتون في وطنه تونس، يضرب جذوره عميقاً في الأرض، ويمد أغصانه ليعانق سماء الإبداع العربي، غير مبالٍ بالرياح الهوجاء التي تهب لتنال من قمته، فالهامات العالية لا تلتفت إلى الوراء، والنجاح الذي صُنِع بعرق الجبين والمبادئ الراسخة لا تهزه ريح.


