في فرضية قد تعيد رسم التصورات حول واحدة من أعظم الإنجازات الهندسية في مصر القديمة، يقترح فريق من الباحثين أن بناء هرم زوسر المدرج في سقارة ربما اعتمد، جزئيًا، على نظام رفع هيدروليكي يستخدم المياه لتحريك كتل الحجر إلى مستويات أعلى.
الفكرة، التي تختلف عن التصورات التقليدية التي تركز على المنحدرات والقوة البشرية، تربط بين مجموعة من المنشآت المائية والآبار الرأسية الموجودة داخل محيط مجمع الهرم، وتفترض أنها ربما كانت أجزاء من منظومة هندسية متكاملة للتحكم في المياه واستخدام ضغطها في عمليات الرفع.
لكن اللافت أن أصحاب النظرية أنفسهم يؤكدون أن الأدلة الأثرية المتاحة حتى الآن لا تكفي لإغلاق باب النقاش.
«الخندق العميق».. بداية الخيط
يركز الباحثون على منشأة تعرف باسم «الخندق العميق»، والتي يُعتقد أنها كانت قادرة على جمع المياه وترسيب الرواسب وتوجيهها إلى مناطق مختلفة من مجمع الهرم.
وبحسب النموذج المقترح، كانت المياه تمر أولًا عبر حوض يسمح بترسيب الجسيمات والرواسب الثقيلة، قبل انتقالها إلى حوض آخر تحد أرضيته الحجرية وفواصل الملاط الطيني من تسرب المياه.
كما تشير الفرضية إلى وجود حوض جانبي ربما كان يستخدم لتنقية المياه، إضافة إلى أربع آبار سطحية تتيح للعمال الوصول إلى المياه.
ويرى الباحثون أن هذه المنشآت، إلى جانب ما يعرف بـ**«منشأة جسر المدير»**، ربما كانت جزءًا من منظومة ساعدت على توفير مياه أقل احتواءً على الرواسب داخل المجمع.
بئران وصناديق من الجرانيت تثير التساؤلات
لكن الجزء الأكثر إثارة في النظرية يتعلق ببئرين رأسيين ضخمين.
يقع أحدهما أسفل الهرم ويُعرف باسم «البئر الشمالي»، بينما يوجد الآخر على مسافة تقارب 200 متر إلى الجنوب.
وينتهي كلا البئرين بصناديق ضخمة من الجرانيت، كانت مغلقة بكتل حجرية ثقيلة، كما عُثر على نفق تحت الأرض يربط بين البئرين.
وهنا يطرح الباحثون احتمالًا غير تقليدي: فالصندوق الجرانيتـي الموجود في البئر الشمالي ربما لم يكن عنصرًا جنائزيًا فحسب، وإنما كان يؤدي وظيفة تشبه الصمام الذي يتحكم في تدفق المياه.
وتستند الفرضية، وفق الدراسة، إلى عدد من الخصائص المعمارية داخل البئر، إضافة إلى مؤشرات عُثر عليها خلال عمليات تنقيب سابقة، من بينها حبال للرفع وقطعة خشبية يمكن، وفق أصحاب النظرية، أن تنسجم مع آلية تعتمد على المياه.
كيف يمكن أن تكون المياه قد رفعت الأحجار؟
يقترح النموذج أن المياه كانت تدخل إلى البئر الشمالي، فتدفع عوامة خشبية ضخمة إلى الأعلى.
وتكون العوامة مرتبطة بنظام من الحبال والبكرات ومنصة تحمل كتل البناء، بحيث يؤدي تغير مستوى المياه إلى تحريك المنصة صعودًا وهبوطًا.
وبهذه الطريقة، يمكن نظريًا نقل الأحجار من مستوى إلى آخر، بما يسمح بارتفاع الهرم تدريجيًا من الداخل نحو الخارج.
ويصف أصحاب الدراسة هذه الآلية بأنها تشبه «طريقة البركان»، حيث تتقدم عملية البناء إلى الأعلى بصورة تدريجية بالتزامن مع حركة منصة الرفع.
ملايين الأمتار المكعبة من المياه
ولتعزيز الفرضية، لجأ الباحثون إلى نماذج حسابية لتقدير كمية المياه التي كان يمكن توفيرها خلال فترة بناء الهرم.
وتشير تقديراتهم إلى أن أحد الروافد المائية، المعروف باسم «وادي تفلة»، ربما كان قادرًا على توفير ما بين 4 و54 مليون متر مكعب من المياه خلال فترة بناء تراوحت، وفق النموذج، بين 20 و30 عامًا.
كما يقدر النموذج أن تشغيل نظام رفع يعتمد على المياه لنقل جميع الأحجار من مستوى الأرض كان قد يتطلب نحو 18 مليون متر مكعب من المياه.
هذه الأرقام لا تثبت وحدها أن النظام كان موجودًا بالفعل، لكنها تستخدم لتقييم ما إذا كانت الفكرة ممكنة من الناحية الهندسية والبيئية.
أين تكمن المشكلة؟
رغم جاذبية الفرضية، فإنها لا تزال تواجه أسئلة مهمة من علماء الآثار والمتخصصين في تاريخ العمارة المصرية القديمة.
وتشير عالمة الآثار الجيولوجية جوديث بنبوري إلى غياب أدلة واضحة في النصوص أو المشاهد المعروفة من عصر الدولة القديمة على استخدام أنظمة رفع هيدروليكية بهذا الشكل.
كما يطرح باحثون تساؤلات حول قدرة المنشآت المائية المكتشفة على تخزين وتوفير كميات المياه التي يحتاجها نظام رفع ضخم ومستمر.
وهناك أيضًا أجزاء من المنظومة المقترحة لم تُستكشف بالكامل بعد.
فما يقارب 170 مترًا من الخندق العميق لا يزال غير مستكشف بسبب هشاشة المصاطب اللاحقة الموجودة فوقه، في حين لم تتم دراسة الجزء العلوي من البئر الشمالي داخل جسم الهرم بصورة كاملة.
نظرية مثيرة.. لكن الدليل الحاسم لم يظهر بعد
لهذا السبب، لا يمكن التعامل مع الرفع الهيدروليكي باعتباره حقيقة محسومة حول طريقة بناء هرم زوسر، بل باعتباره فرضية تحتاج إلى المزيد من الأدلة الأثرية والهندسية.
ومع ذلك، فإن أهمية الفكرة تكمن في أنها تفتح بابًا مختلفًا لفهم الهندسة المصرية القديمة، وتدفع الباحثين إلى إعادة النظر في العلاقة بين المنشآت المائية والهندسة المعمارية داخل مجمعات الأهرام.
فهرم زوسر، الذي يُعد أقدم هرم حجري معروف، لا يزال يحمل الكثير من الأسرار المتعلقة بالطريقة التي تمكن بها المصريون القدماء من نقل ورفع كتل حجرية ضخمة قبل آلاف السنين.
ويبقى السؤال الأكثر إثارة مفتوحًا:
هل كان الماء مجرد عنصر أساسي في حياة المصريين القدماء، أم أنه كان أيضًا جزءًا من التكنولوجيا الهندسية التي ساعدتهم على بناء أول هرم حجري في التاريخ؟


