25 عامًا على 11 سبتمبر.. ماذا لو لم تسقط الطائرات؟

25 عامًا على 11 سبتمبر.. ماذا لو لم تسقط الطائرات؟

بعد ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر 2001، ما يزال سؤال واحد يطارد الذاكرة الأمريكية والعالمية مثل ظل لا يغادرها: ماذا لو لم يقع الهجوم؟

ليس السؤال مجرد لعبة ذهنية أو تمرين في الخيال التاريخي، بل واحدة من أكثر الفرضيات إثارة للجدل بين المؤرخين. فقد وصفه إدوارد هاليت كار، في كتابه «ما التاريخ؟» الصادر عام 1961، بأنه أقرب إلى ألعاب الصالونات، بينما حذّر ريتشارد إيفانز من أن التاريخ الافتراضي قد يصبح منفذاً تتسلل منه الأهواء السياسية إلى البحث التاريخي.

في المقابل، دافع نيال فيرغسون عن قيمة التاريخ المضاد للواقع، شرط أن تنطلق الفرضيات من بدائل كان معاصرو الحدث أنفسهم يفكرون فيها أو يناقشونها. أما فيليب تيتلوك وآرون بيلكين فقد اقترحا قاعدة أكثر صرامة تقوم على «التعديل الأدنى»: تغيير أصغر تفصيل ممكن، ثم تتبع سلسلة النتائج التي يمكن أن تترتب عليه.

وتزداد أهمية هذه القاعدة عندما يتعلق الأمر بـ11 سبتمبر، لأن احتمال إحباط الهجمات لم يكن مستحيلاً نظرياً، بل كانت هناك بالفعل إشارات وتحذيرات وقرارات كان يمكن أن تسلك مساراً مختلفاً.

هل كان يمكن إحباط الهجوم؟

في أغسطس 2001، أوقف عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي في مينيسوتا زكريا موسوي، وطلبوا تفتيش حاسوبه، لكن طلبهم لم يُقبل. وقبل ذلك بعامين، كان تقرير لجنة هارت–رودمان قد حذر من احتمال مقتل أمريكيين على الأراضي الأمريكية في هجوم إرهابي كبير.

وبالنسبة إلى لجنة التحقيق في هجمات 11 سبتمبر، لم يكن منع الهجوم ضرباً من المستحيل، بل كان يمكن تصور ذلك من خلال تغييرات محدودة في سلسلة القرارات التي سبقت يوم 11 سبتمبر.

ومن هنا اكتسب سؤال «ماذا لو؟» شرعيته البحثية.

وقد طُرح السؤال على نطاق واسع في الصحافة الأمريكية في وقت مبكر، خصوصاً في ملف نشرته مجلة «نيويورك» في أغسطس 2006، بمناسبة الذكرى الخامسة للهجمات، وشارك فيه عدد من المفكرين والكتاب والسياسيين.

ومنذ ذلك الحين، تشكلت تقريباً ثلاث مقاربات رئيسية للإجابة عن السؤال.

الهجوم كان سيقع عاجلاً أم آجلاً

تذهب المدرسة الأولى إلى أن 11 سبتمبر، حتى لو لم يقع في ذلك التاريخ تحديداً، كان سيأخذ شكلاً آخر في وقت لاحق.

ويستند هذا الرأي إلى قناعة تنظيم القاعدة، آنذاك، بأن الولايات المتحدة قوة يمكن إرهاقها وإجبارها على الانكفاء. ومن هذا المنظور، فإن فشل محاولة 11 سبتمبر كان سيعني، ربما، إعادة المحاولة في تاريخ آخر وبطريقة مختلفة.

لكن المشكلة في هذه القراءة أنها تتعامل مع التاريخ وكأن الظروف المحيطة بالحدث قابلة للتجاهل.

فالهجوم وقع في لحظة سياسية واستراتيجية شديدة الخصوصية: إدارة جورج بوش كانت في شهرها الثامن، والولايات المتحدة تعيش ذروة التفوق العسكري الأحادي، فيما كانت السياسة الخارجية الأمريكية تدخل مرحلة جديدة من الثقة بالقوة.

ولهذا فإن هجوماً مماثلاً في 2004 أو 2006 لم يكن بالضرورة سيقود إلى النتائج نفسها. كانت أمريكا قد تكون مختلفة، ورئيسها مختلفاً، وأولوياتها الاستراتيجية قد تكون قد تحولت نحو الصين أو ملفات دولية أخرى.

العقد الذي أضاعته الحروب

أما المدرسة الثانية، فترى أن الأهمية التاريخية الكبرى لـ11 سبتمبر لا تكمن في الهجوم وحده، بل في كيفية استجابة الولايات المتحدة له.

ومن أبرز السيناريوهات البديلة ما قدمه المؤرخ البريطاني دومينيك ساندبروك، الذي رسم خطاً زمنياً افتراضياً يتخيل عالماً لم تقع فيه الهجمات.

في ذلك السيناريو، لا تغزو الولايات المتحدة أفغانستان، ولا تقع حرب العراق بالشكل الذي عرفه العالم، بينما تتواصل الأحداث الدولية الأخرى بدرجات متفاوتة من الاستقلال عن غياب 11 سبتمبر.

والخلاصة الأهم هنا أن الولايات المتحدة ربما كانت ستوفر عقداً كاملاً لمواجهة تحديات أخرى، من صعود الصين وروسيا إلى الأزمة المالية العالمية وتغير المناخ.

وهذا يلتقي مع قراءة غيديون روز، الذي رأى أن الهجمات دفعت الولايات المتحدة إلى إعادة توزيع هائلة لقوتها ومواردها، وأدخلتها في دور عالمي نشط لم يكن من السهل تصور استمراره بالطريقة نفسها من دون صدمة 11 سبتمبر.

ماذا لو كان آل غور في البيت الأبيض؟

لكن هناك تجربة ذهنية أكثر إثارة: ماذا لو كان آل غور هو رئيس الولايات المتحدة يوم 11 سبتمبر؟

هذا السؤال طرحه الباحث الكندي فرانك هارفي في كتابه حول حرب العراق، في محاولة لتحدي الرواية التي تحمل المحافظين الجدد وإدارة بوش وحدهم مسؤولية الحرب.

لم يحذف هارفي الهجوم من المعادلة، وإنما استبدل الرئيس.

والنتيجة التي توصل إليها كانت صادمة بالنسبة إلى أنصار هذا السيناريو: ربما كان آل غور نفسه سيتجه إلى استخدام القوة ضد العراق.

فغور كان من أشد المنتقدين لنظام صدام حسين، ودعم عودة المفتشين وتشديد عمليات التفتيش، كما أيد استخدام القوة في أزمات دولية سابقة، من العراق إلى البوسنة وكوسوفو.

وبالتالي، فإن تغيير الرئيس وحده قد لا يكون كافياً لتغيير مسار التاريخ.

وقد تعرضت هذه الفرضية بدورها لانتقادات، خصوصاً لأنها لا تأخذ بما يكفي في الاعتبار أن إدارة بوش نفسها هي التي أعادت صياغة السياق السياسي والاستراتيجي الذي جعل العراق محوراً أساسياً في مرحلة ما بعد الهجمات.

تجربتان متناقضتان.. ونتيجة واحدة

هنا تصبح المفارقة أكثر وضوحاً.

في تجربة هارفي، أبقي الهجوم وحُذف بوش، فبقي احتمال الحرب قائماً.

وفي السيناريو الآخر، أبقي بوش وحُذف الهجوم، فاختفت على الأرجح الحربان الكبريان في أفغانستان والعراق أو اتخذتا مساراً مختلفاً جذرياً.

ومن هذه المفارقة يمكن الوصول إلى فرضية أكثر عمقاً: ربما لم تكن شخصية الرئيس وحدها العامل الحاسم، بل كانت الصدمة نفسها هي التي أعادت ترتيب أولويات القوة الأمريكية.

فالهجوم لم يقع في فراغ، بل التقى مع قوة عظمى في ذروة تفوقها، ومع إدارة جديدة كانت تبحث عن موقعها في العالم. ومن هذا الالتقاء ولدت واحدة من أكثر التحولات الجيوسياسية تأثيراً في القرن الحادي والعشرين.

ماذا صنع 11 سبتمبر فعلاً؟

بعد 25 عاماً، يسمح لنا التاريخ البديل بتمييز ما كان جزءاً من الاتجاهات الكبرى للعالم، وما كان مرتبطاً بصورة أكثر مباشرة بصدمة 11 سبتمبر.

كان صعود الصين سيحدث على الأرجح. وكانت الثورة الرقمية ستتواصل، وكذلك العولمة وأزماتها، والأزمة المالية العالمية عام 2008، ثم الموجة الشعبوية التي اجتاحت الديمقراطيات الغربية.

لكن هناك أحداثاً يصعب فصلها عن 11 سبتمبر بالدرجة نفسها من الثقة.

حرب أفغانستان، وغزو العراق، والتوسع الهائل في الدولة الأمنية الأمريكية، والحرب العالمية على الإرهاب، وإعادة تشكيل جزء كبير من السياسة الخارجية الأمريكية، كلها ارتبطت بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالصدمة التي أحدثتها الهجمات.

ولهذا فإن السؤال الأكثر إثارة اليوم ربما لم يعد: «هل كان 11 سبتمبر سيحدث لو لم يحدث في 11 سبتمبر؟».

بل أصبح السؤال الأعمق:

  • كيف كان يمكن للعالم أن يبدو لو اتخذ صانعو القرار بعد الصدمة خيارات مختلفة؟
  • لقد وصفت لجنة التحقيق في 11 سبتمبر ما سبق الهجمات بأنه «فشل في الخيال».

وبعد ربع قرن، يبدو أن التاريخ البديل ليس سوى محاولة متأخرة لاستعادة ذلك الخيال الغائب؛ أن نعيد فتح الأبواب التي أغلقتها الصدمة، وأن نسأل عمّا كان يمكن أن يحدث لو اتسع أفق القرار في اللحظة التي ضاق فيها العالم أمام أعين صانعيه.

فالتاريخ لا يمنحنا فرصة لإعادة كتابة ما حدث، لكنه يمنحنا شيئاً آخر أكثر أهمية: القدرة على فهم لماذا حدث، وما الذي كان يمكن أن يحدث بدلاً منه.