جيجل تحترق.. «لؤلؤة الساحل» تتحول إلى مأتم مفتوح و39 جثمانًا في دفن جماعي

جيجل تحترق.. «لؤلؤة الساحل» تتحول إلى مأتم مفتوح و39 جثمانًا في دفن جماعي

لم تكن جيجل، التي طالما عُرفت بـ**«لؤلؤة الساحل»** شرقي الجزائر، تتوقع أن تستيقظ على هذا المشهد الكارثي. فبعد يومين من جحيم النيران، بدأت الولاية تلتقط أنفاسها بصعوبة، فيما تحاول عائلاتها لملمة ما تبقى من حياتها وسط حصيلة بشرية مفجعة وخسائر مادية هائلة، بعدما التهمت الحرائق مساحات واسعة من غاباتها وأراضيها وممتلكاتها.

لم تعد الجغرافيا التي يعرفها الجزائريون والسياح كما كانت. الدخان غطّى السماء، والرماد حلّ مكان الخضرة، والحزن تمدّد في القرى والبلدات التي عاشت ساعات أشبه بيوم القيامة.

وبعد صلاة الجمعة، شهدت بلدة الجمعة بني حبيبي غربي جيجل، مشهدًا مهيبًا لا يُنسى، مع إقامة دفن جماعي لـ39 من ضحايا الحرائق، بحضور الوزير الأول سيفي غريب وجمع غفير من المواطنين، في لحظة اختلطت فيها أصوات الدعاء بنحيب عائلات فقدت أحباءها في واحدة من أكثر الكوارث الطبيعية دموية التي عرفتها المنطقة.

وأعلنت بلدة بني حبيبي تسجيل 73 ضحية في حصيلة مؤقتة، في وقت لا تزال فيه عمليات البحث عن المفقودين وانتشال الضحايا متواصلة، وسط مخاوف من ارتفاع الحصيلة النهائية بشكل أكبر.

21 فردًا من عائلة واحدة.. مأساة تتجاوز الخيال

ومن بين أكثر الروايات قسوة، شهادة أحد الناجين الذي تحدث عن وفاة 21 شخصًا من عائلة واحدة في أعالي بني حبيبي.

حرائق لم تمنح سكان المنطقة الوقت الكافي للهرب، إذ تحولت النيران في دقائق إلى جدار ملتهب يحاصر المنازل ويقطع طرق النجاة. عائلات بأكملها اختفت تحت ألسنة اللهب، فيما تم العثور على جثث في حالات متقدمة من التفحم، في مشاهد تعكس حجم الكارثة التي ضربت المنطقة.

وفي الجمعة بني حبيبي، وتيسبيلان، وبرج الطهر، وأولاد عسكر، وبوراوي بلهادف، وسيدي معروف، والميلية، والشحنة، وتاكسنة، والشقفة، عاش السكان ساعات عصيبة، بعدما كانت النيران تنتقل بسرعة مخيفة من مكان إلى آخر، ملتهمة الغطاء النباتي والمنازل والممتلكات.

ولم يسقط الضحايا جميعًا داخل منازلهم، إذ قضى عدد منهم أثناء محاولاتهم الفرار، فيما لقي آخرون حتفهم وهم يحاولون إنقاذ مواشيهم ومحاصيلهم الزراعية وممتلكاتهم من ألسنة اللهب.

حين يتحول الصيف إلى جحيم

وتداولت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي شهادات وصورًا صادمة توثق هول ما عاشه السكان.

الطبيب هارون بوجيت تحدث عن مشاهد وصفها بأنها تفوق كل وصف، مؤكدًا أن النيران باغتت السكان خلال فترة وجيزة جدًا، ولم تترك لكثير منهم فرصة حقيقية للنجاة.

وفي ظل استمرار الحرائق وعمليات البحث، لم تتمكن السلطات بعد من ضبط حصيلة نهائية للضحايا، فيما تتجه التقديرات إلى أن الخسائر المادية ستكون ضخمة.

وتشير المعطيات الأولية إلى تضرر نحو 80 بالمائة من الغطاء الغابي في بعض المناطق، وهو ما يمثل ضربة قاسية لولاية اشتهرت لعقود بغاباتها الكثيفة وجبالها الخضراء وشواطئها التي كانت تستقطب عشرات الآلاف من الزوار خلال فصل الصيف.

جيجل التي نعرفها.. لم تعد موجودة

لكن الكارثة لا تُقاس بالأرقام وحدها.

فجيجل التي كانت تستقبل زوارها بأحضان الغابات ورائحة البحر، تستقبل اليوم أبناءها بالدخان والرماد. شواطئها الجميلة غابت خلف ستار قاتم، والغابات التي كانت عنوانًا لجمالها تحولت إلى مساحات سوداء، بينما يبحث السكان بين الأنقاض عن بقايا منازلهم وممتلكاتهم وذكرياتهم.

في رمشة عين، فقدت عائلات أبناءها، وفقد الجيران جيرانهم، وفقدت المنطقة جزءًا من روحها.

الجزائر تعلن الحداد

أمام حجم الفاجعة، أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون حدادًا وطنيًا لمدة ثلاثة أيام، مع تنكيس الأعلام الوطنية عبر كامل التراب الجزائري، وإلغاء مظاهر الاحتفالات والمنافسات الرياضية الوطنية.

وقال تبون إن الوفيات تمثل «فاجعة»، في قرار يعكس حجم الصدمة التي خلفتها الحرائق في البلاد.

كما أعلن الدرك الوطني إغلاق ثلاثة محاور رئيسية تربط مناطق شرق الجزائر، بسبب الحرائق المندلعة قرب بجاية وجيجل وسطيف.

كارثة تتكرر.. والمناخ يزيد النار اشتعالًا

حرائق الغابات ليست ظاهرة جديدة في شمال الجزائر خلال فصل الصيف، لكن ارتفاع درجات الحرارة وتفاقم الجفاف المرتبطين بالتغير المناخي يجعلان هذه الحرائق أكثر شراسة وسرعة وانتشارًا.

وفي يوليو/تموز 2023، أودت حرائق واسعة في محيط بجاية بحياة أكثر من 30 شخصًا، بعدما التهمت آلاف الهكتارات من الغابات والأراضي الزراعية ومئات المنازل.

أما هذا العام، فقد سجلت السلطات الجزائرية قرابة 2000 حريق خلال شهر يوليو/تموز وحده، في مؤشر على حجم الضغط الذي تواجهه البلاد خلال مواسم الحر والجفاف.

اليوم، تحاول جيجل أن تنجو من آثار النار.. لكن السؤال الأكبر يبقى: كم من الوقت تحتاج «لؤلؤة الساحل» حتى تستعيد لونها الأخضر، وكم من الأرواح والذكريات ستظل شاهدة على تلك الليلة التي تحولت فيها الغابات إلى جحيم؟