من آثار أقدام متحجرة إلى سلوك مفترس غامض، تقود معرفة تقليدية متوارثة عبر الأجيال إلى اكتشافات علمية جديدة، وتعيد رسم ملامح عالم اختفى منذ آلاف السنين.
في اكتشاف يجمع بين علم الآثار والخبرة التقليدية في تتبّع الحيوانات، نجح خبراء من شعب السان في ناميبيا في تحديد آثار أقدام الأسود داخل ثلاثة مواقع أحفورية على الساحل الجنوبي لجنوب إفريقيا، بينها موقع تعود آثاره إلى نحو 70 ألف سنة. ولم يقتصر دورهم على معرفة الحيوان الذي ترك تلك البصمات، بل امتد إلى قراءة تفاصيل قد تكشف جانباً من سلوكه، بعدما عجزت الدراسات التقليدية عن تفسير بعض العلامات المحفوظة في الصخور.
ويعيد هذا الاكتشاف تسليط الضوء على أهمية المعارف المحلية المتوارثة، التي يمكن أن تكمّل أدوات البحث العلمي الحديثة وتفتح آفاقاً جديدة لفهم الحياة البرية في عصور ما قبل التاريخ.
ساحل مختلف تماماً قبل آلاف السنين
قبل نحو 70 ألف عام، لم تكن السواحل الجنوبية لإفريقيا على صورتها الحالية. فقد كان مستوى البحر يتغير بصورة كبيرة، ما أدى في بعض الفترات إلى انكشاف مساحات واسعة من اليابسة، وامتداد الساحل لمسافات تصل إلى 100 كيلومتر جنوب موقعه الراهن، كاشفاً عن سهل أغولهاس القديم، الذي احتضن تنوعاً من الحيوانات، بينها ثدييات ضخمة.
وفي فترات أخرى، ارتفع مستوى سطح البحر إلى نحو 13 متراً فوق مستواه الحالي، في صورة تعكس التحولات الكبيرة التي شهدتها المنطقة عبر الزمن.
ورغم اختفاء كثير من الحيوانات التي عاشت في تلك البيئة، بقيت آثار أقدامها محفوظة في الرواسب التي تحولت لاحقاً إلى صخور. وتحولت هذه البصمات إلى أرشيف طبيعي نادر، يتيح للباحثين استكشاف عالم لم يبقَ منه سوى شواهد متناثرة.
أكثر من 400 موقع أحفوري… والأسود لغز جديد
منذ عام 2008، تمكن فريق مشروع دراسة آثار الأقدام على الساحل الجنوبي لمنطقة كيب في جنوب إفريقيا من تحديد أكثر من 400 موقع يضم آثار أقدام فقاريات.
وتعود هذه الآثار إلى العصر البليستوسيني، الذي امتد من نحو 2.58 مليون سنة إلى 11,700 سنة مضت. وتساعد حداثة هذه الفترة نسبياً، مقارنة بعصور جيولوجية أقدم، على إجراء مقارنات بين البصمات المتحجرة وآثار الحيوانات التي تعيش اليوم.
لكن تحديد هوية الحيوان ليس دائماً مهمة سهلة؛ فالتعرية، وعدم اكتمال بعض الطبعات، وتغيّر شكل الرواسب بمرور الزمن، قد تجعل آثار الأقدام ملتبسة حتى بالنسبة إلى الباحثين المتخصصين.
وفي عام 2024، ركّز الفريق جهوده على البحث عن آثار الأسود القديمة. وهنا برزت خبرة اثنين من المتخصصين في تتبع الحياة البرية من ناميبيا، هما أوما داكم وأوسي نامسي، اللذان يمتلكان معرفة عميقة بآثار الحيوانات وأنماط حركتها وسلوكها.
حين تتحدث الصخور بلغة المتتبعين
تلقى المشروع دعماً مهماً عام 2023 من مؤسسة «ديسكفري وايلدرنس تراست»، التي أتاحت مشاركة خبراء تتبع من مجتمع جو/هوانسي، المنتمي إلى شعب السان والمقيم في محمية نياي نياي شمال شرقي ناميبيا.
وتُعد مهارات تتبع الحيوانات جزءاً من المعرفة العملية المتوارثة داخل هذا المجتمع، إذ لا تقتصر على التعرّف إلى شكل الأثر، بل تشمل قراءة اتجاه الحركة، وتقدير حجم الحيوان، وربط العلامات المحفوظة على الأرض بسلوكه المحتمل.
وسبق لبعض هؤلاء الخبراء، ومن بينهم داكم ونامسي والراحل ستيف كونتا، أن شاركوا في تأليف أبحاث علمية عن اكتشافات أحفورية في منطقة كيب، شملت آثار أقدام البنغول والضبع البني.
لكن التحدي الجديد كان أكثر تعقيداً: هل يمكن لهذه الخبرة أن تحسم هوية آثار الأسود التي ظلت موضع تساؤل؟
بدأ الفريق من محمية غوكماما الطبيعية، حيث أكد خبراء التتبع تحديد آثار معروفة للأسود، وأضافوا قراءة تشير إلى وجود بصمات تعود إلى ذكر وأخرى إلى أنثى.
ثم انتقلوا إلى محمية دي هوب الطبيعية، حيث كانت هناك آثار يُشتبه في أنها تعود إلى أسد، من دون تأكيد قاطع. وبعد فحص العلامات ومناقشتها بلغتهم، لغة جو/هوان، خلص الخبراء إلى أنها بالفعل آثار أسد.
والأكثر إثارة أنهم رجحوا أن بعض العلامات قد تعكس وضعية انحناء استعداداً للانقضاض على فريسة. وقد ساعد هذا التفسير في فهم وجود طبعتين متجاورتين تتجهان في الاتجاه نفسه، وهي تفصيلة لم يكن تفسيرها واضحاً للباحثين.
أما المحطة الثالثة، فكانت موقعاً ساحلياً نائياً شرق بلدة ويتساند، حيث بدت الآثار عائدة إلى حيوان كبير، لكن هويته ظلت مجهولة. وبعد المعاينة، تعرّف الخبراء على آثار الأسود، ورصدوا مؤشرات رجّحت مرور ذكر وأنثى في الموقع.
وهكذا، لم يقتصر إسهامهم على تحديد الحيوان، بل أضافوا تفسيرات جديدة إلى قراءة آثار ظلت صامتة أمام الباحثين لسنوات.
هل ترك أسد كيب المنقرض هذه البصمات؟
تكتسب النتائج أهمية خاصة لأن المواقع الثلاثة تمثل، وفق الدراسة، المواقع الموثقة لآثار أقدام الأسود المتحجرة في جنوب إفريقيا. وعلى مستوى القارة الإفريقية، لا يُعرف سوى موقع آخر لآثار الأسود، يقع في تنزانيا.
ومن بين المواقع الثلاثة في منطقة كيب، جرى تأريخ آثار أحدها فقط حتى الآن، وتبيّن أنها تعود إلى نحو 70 ألف سنة.
وتفتح هذه النتيجة الباب أمام فرضية مثيرة: هل تعود البصمات إلى أسد كيب المنقرض، المعروف علمياً باسم Panthera leo melanochaita؟
كان هذا الأسد يعيش في جنوب إفريقيا قبل اختفائه من البرية في المنطقة، غير أن تصنيفه كسلالة فرعية مستقلة لا يزال محل نقاش علمي. كما أن آثار الأقدام وحدها لا تكفي للتمييز بصورة حاسمة بينه وبين سلالات أخرى من الأسود.
لذلك، يظل احتمال ارتباط هذه البصمات بأسد كيب فرضية تستحق البحث، لا حقيقة علمية مؤكدة. فالتأريخ يحدد عمر الأثر، بينما تبقى هوية السلالة مسألة تحتاج إلى أدلة إضافية.
المعرفة التقليدية ليست بديلاً عن العلم… بل شريكاً له
تكشف هذه التجربة عن قيمة التعاون بين الباحثين وخبراء التتبع من المجتمعات المحلية. فالأدوات الجيولوجية والتحاليل العلمية تساعد على تحديد عمر الآثار وتوثيقها، بينما تمنح الخبرة الميدانية المتوارثة الباحثين زاوية أخرى لفهم شكل البصمات واتجاه الحركة والسلوك المحتمل للحيوان.
ولا يعني ذلك أن التفسير التقليدي يحسم كل سؤال بمفرده، بل إن الجمع بين المعارف المختلفة يتيح اختبار الفرضيات وتحسين قراءة الأدلة، خصوصاً عندما تكون الآثار ناقصة أو متضررة بفعل الزمن.
ويستعد الفريق لاستقبال مجموعة جديدة من خبراء التتبع من مجتمع جو/هوانسي للمشاركة في أبحاث مقبلة على الساحل الجنوبي لمنطقة كيب. وستركز إحدى المهام على البحث عن آثار أقدام أشباه البشر، فيما ستسعى مهمة أخرى إلى العثور على آثار الظبي الأزرق المنقرض، المعروف باسم «بلوبوك».
وبين بصمة أسد متحجرة وأثر إنسان غابر، تتواصل محاولة إعادة بناء تاريخ منطقة شهدت تحولات بيئية هائلة. فالصخور التي تبدو للوهلة الأولى جامدة، قد تخفي تفاصيل دقيقة عن حياة حيوانات اختفت منذ عشرات آلاف السنين، ولا تحتاج أحياناً إلا إلى عين خبيرة تعرف كيف تقرأ ما تركته الطبيعة وراءها.


