في إنجاز علمي يقترب من الخيال، نجح فريق من الباحثين في تطوير بطارية مرنة وعالية القدرة تعتمد على الهيدروجيل، مستوحاة من آلية توليد الكهرباء لدى ثعبان الأنقليس الكهربائي، ما قد يفتح الباب أمام جيل جديد من مصادر الطاقة الآمنة للأجهزة الطبية والإلكترونيات القابلة للارتداء والروبوتات اللينة.
وأعلن علماء من Penn State أن التصميم الجديد يتيح توليد طاقة مرتفعة دون استخدام مواد سامة أو الحاجة إلى هياكل صلبة داعمة، في خطوة نوعية نحو دمج مصادر الطاقة مباشرة داخل الأنظمة الحيوية أو شبه الحيوية.
محاكاة دقيقة للطبيعة
الأنقليس الكهربائي يُعد من أكثر الكائنات إثارة للدهشة، إذ يستطيع توليد أكثر من 600 فولت في لحظة واحدة بفضل خلايا كهربائية فائقة التنظيم تُطلق دفعات قوية خلال زمن قصير جدًا.
استلهم الفريق البحثي هذه الآلية البيولوجية، وقام بترتيب طبقات متعددة من أنواع مختلفة من الهيدروجيل – وهي مواد غنية بالماء وموصلة للأيونات – ضمن بنية هندسية دقيقة تحاكي خلايا الأنقليس الكهربائية.
وأوضح الباحث Joseph Najem، الأستاذ المساعد في الهندسة الميكانيكية والمؤلف الرئيسي للدراسة، أن الهدف كان نقل هذا المبدأ البيولوجي إلى نظام صناعي عملي قادر على إنتاج طاقة عالية بكفاءة وأمان.
أداء قياسي دون دعائم صلبة
تمكن العلماء من تجاوز العقبات التي واجهت المحاولات السابقة، والتي كانت تتطلب دعائم ميكانيكية وتنتج قدرة محدودة، عبر تصنيع طبقات هيدروجيل فائقة الرقة لا يتجاوز سمك الواحدة منها 20 ميكرومترا.
وباستخدام تقنية الطلاء بالدوران، وُضعت أربع تركيبات مختلفة من الهيدروجيل على سطح دوّار، ما أتاح الحصول على طبقات متجانسة ودقيقة للغاية.
وأكدت الباحثة Dor Tillinger أن تقليل سماكة الطبقات ساهم في خفض المقاومة الداخلية بشكل ملحوظ، ما أدى إلى رفع كثافة القدرة. كما أشار الباحث Wonbae Lee إلى أن تعديل الخصائص الكيميائية للهيدروجيل كان عنصرًا حاسمًا للحفاظ على المتانة الميكانيكية أثناء التصنيع.
مرونة عالية وتطبيقات طبية واعدة
البطارية الجديدة تتميز بمرونة كبيرة واستقرار بيئي ملحوظ، ويمكنها الاحتفاظ بالماء لأيام والعمل ضمن نطاق حراري واسع دون تجمد، ما يجعلها مناسبة للبيئات الحيوية.
وتصل كثافة القدرة التي توفرها إلى نحو 44 كيلوواط لكل متر مكعب، وهي كافية لتشغيل أجهزة استشعار مزروعة داخل الجسم، وأنظمة تحكم في الروبوتات اللينة، وأجهزة إلكترونية قابلة للارتداء.
نُشرت نتائج الدراسة في مجلة Advanced Science بدعم من Air Force Office of Scientific Research، فيما يخطط الفريق لزيادة كثافة القدرة وتحسين كفاءة إعادة الشحن وتطوير تقنيات الشحن الذاتي.
طاقة بلا سموم… ومستقبل بلا قيود
يرى الباحثون أن هذا التطور قد يمثل تحولًا جذريًا في تصميم البطاريات، خاصة في التطبيقات الطبية التي تتطلب مصادر طاقة مرنة وآمنة وقابلة للتكامل مع الأنسجة الحيوية.
من أعماق أنهار أمريكا الجنوبية إلى مختبرات الجامعات الأميركية… يبدو أن الأنقليس الكهربائي لم يعد مجرد كائن غامض، بل أصبح مصدر إلهام لثورة طاقة قد تغيّر شكل الأجهزة الطبية والإلكترونية في السنوات القادمة.



