في ظل تزايد حالات العنف الأسري والعنف القائم على النوع الاجتماعي برزت خلال السنوات الأخيرة مبادرات إنسانية مبتكرة تهدف إلى توفير وسائل آمنة للنجدة خاصة في الحالات التي يكون فيها الضحايا غير قادرين على طلب المساعدة بشكل مباشر خوفًا من التهديد أو المراقبة ومن بين أبرز هذه المبادرات عالميًا ما يُعرف بـ “إشارة المساعدة” (Signal for Help)، وهي حركة يد بسيطة تحولت في وقت وجيز إلى رمز دولي للاستغاثة الصامتة.
وقد أُطلقت هذه الإشارة سنة 2020 من قبل مؤسسة كندية مختصة في مناهضة العنف ضد النساء خلال فترة جائحة كوفيد-19 حين فرضت إجراءات الحجر الصحي عزلة منزلية على ملايين الأشخاص حول العالم وهو ما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات العنف الأسري وصعوبة وصول الضحايا إلى الدعم المباشر ومن هنا جاءت الحاجة إلى ابتكار وسيلة غير لفظية يمكن استخدامها دون إثارة انتباه المعتدي.
وتقوم هذه الإشارة على ثلاث حركات متتالية وبسيطة: رفع اليد بحيث تكون راحة الكف ظاهرة، ثم طي الإبهام نحو راحة اليد وأخيرا إغلاق الأصابع على الإبهام لتشكيل قبضة ورغم بساطتها فإن هذه الحركة تحمل دلالة واضحة: الشخص في وضع خطر ويحتاج إلى مساعدة عاجلة بطريقة سرّية وآمنة.
ومع الانتشار السريع لمنصات التواصل الاجتماعي تحولت “إشارة المساعدة” إلى لغة إنسانية عابرة للحدود تبنتها منظمات حقوقية وهيئات اجتماعية ومؤسسات حماية في عدد من الدول بهدف نشر الوعي بكيفية التعرف على الإشارة والاستجابة لها بشكل صحيح دون تعريض الضحية لمزيد من الخطر.
وفي السياق التونسي تندرج هذه المبادرة ضمن جهود أوسع لمناهضة العنف وحماية الفئات الهشة، إذ يعد القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة من أبرز الأطر التشريعية المتقدمة في المنطقة حيث يجرم مختلف أشكال العنف الجسدي والنفسي والجنسي والاقتصادي ويوفر آليات حماية استعجالية للضحايا إلى جانب تشديد العقوبات على المعتدين.
كما تنص مجلة حماية الطفل على ضرورة التدخل الفوري لحماية الأطفال المعرّضين للخطر في حين تقر المجلة الجزائية التونسية عقوبات صارمة في قضايا التهديد والاعتداء والاحتجاز غير القانوني والتحرش وتواكب السلطات هذه المنظومة القانونية بعدة آليات للتبليغ وطلب النجدة من بينها الرقم 197 للأمن الوطني و193 للحرس الوطني إضافة إلى الرقم الأخضر 1809 المخصص للتبليغ عن حالات العنف ضد المرأة.
غير أن المختصين في الشأن الاجتماعي والحقوقي يؤكدون أن فعالية مثل هذه المبادرات لا ترتبط فقط بوجود القوانين بل أيضا بمدى وعي المجتمع بها فالتعرف على “إشارة المساعدة” يتطلب حسا إنسانيا عاليا وتصرفا مسؤولا يقوم على الهدوء وعدم كشف الضحية ثم محاولة تأمين التواصل الآمن وإبلاغ الجهات المختصة في أسرع وقت ممكن.
هذا ولا تعد “إشارة المساعدة” مجرد حركة يد عابرة لكنها رسالة إنسانية عميقة تختصر معاناة أشخاص يعيشون الخوف في صمت خاصة في عالم تتزايد فيه أشكال العنف وتتداخل فيه العزلة مع الخطر تصبح مثل هذه الإشارات أكثر من مجرد رمز إنما أداة نجاة قد تصنع الفرق بين الحياة والموت.



