بقلم: إيمان مزريقي
في إطار ترسيخ دولة القانون والمؤسسات وتجسيد المبادئ الدستورية والتشريعية المتعلقة بحماية الحقوق والحريات تم يوم الخميس 09 جويلية 2026 إبرام اتفاقية شراكة بين المندوبية الجهوية لشؤون الأسرة والمرأة بجندوبة وجمعية المرأة الريفية بجندوبة لتسيير مركز "أمان" لإيواء النساء ضحايا العنف بولاية جندوبة وذلك في خطوة مؤسساتية تؤكد انخراط مختلف الفاعلين في تعزيز منظومة الحماية والتكفل بالنساء ضحايا العنف وفق مقاربة قانونية واجتماعية متكاملة.
وتكتسي هذه الاتفاقية أهمية خاصة باعتبارها تندرج ضمن مسار وطني يهدف إلى ضمان النفاذ الفعلي للحقوق التي أقرتها النصوص القانونية وذلك من خلال إحداث آليات عملية للتعهد بالنساء في وضعيات العنف وتوفير فضاءات آمنة تستجيب لمتطلبات الحماية والإحاطة وإعادة الإدماج.
ويعد مركز "أمان" آلية متخصصة للتكفل بالنساء ضحايا العنف إذ لا يقتصر دوره على توفير الإيواء بل يقوم على منظومة متكاملة من الخدمات تشمل الاستقبال والإنصات والإحاطة النفسية والاجتماعية والتوجيه القانوني والمرافقة في مختلف مراحل التعهد بما يضمن للمنتفعات استعادة توازنهن النفسي والاجتماعي وتمكينهن من تجاوز آثار العنف والانخراط مجددا في الحياة العامة.
وتجد هذه المبادرة أساسها القانوني في القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المؤرخ في 11 أوت 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة الذي شكل تحولا تشريعيا بارزا في المنظومة القانونية التونسية من خلال اعتماده مقاربة شاملة تجعل من حماية المرأة من العنف مسؤولية مؤسساتية تقوم على الوقاية والحماية والتكفل والتتبع وتقر بأن العنف ضد المرأة يمثل انتهاكا للحقوق الأساسية ومسّا بالكرامة الإنسانية.
كما تستند هذه الاتفاقية إلى المبادئ الدستورية المكرسة في دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022 وخاصة ما يتعلق بضمان الحقوق والحريات والمساواة بين المواطنات والمواطنين والتزام الدولة بحماية الكرامة الإنسانية واتخاذ التدابير الكفيلة بالقضاء على مختلف أشكال التمييز والعنف.
وتندرج كذلك ضمن الإطار المرجعي الدولي لحقوق الإنسان، لاسيما اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) التي تلزم الدول باتخاذ الإجراءات التشريعية والمؤسساتية اللازمة لحماية النساء وضمان تمتعهن بحقوقهن على قدم المساواة بما في ذلك الحق في الحماية من العنف والعيش في ظروف تحفظ الكرامة والأمان.
وفي هذا السياق تضطلع المندوبية الجهوية لشؤون الأسرة والمرأة بجندوبة بدور أساسي في تنفيذ السياسات العمومية والبرامج الوطنية في مجال النهوض بالمرأة والأسرة ومتابعة آليات الوقاية والتكفل وتعزيز التنسيق بين مختلف الهياكل المتدخلة بما يضمن نجاعة التدخلات وجودة الخدمات المقدمة للنساء.
كما تمثل هذه الاتفاقية دعما للدور الذي تقوم به جمعية المرأة الريفية بجندوبة باعتبارها فاعلا من فاعلي المجتمع المدني من خلال مساهمتها في مجال الإحاطة بالنساء وخاصة في المناطق الريفية والعمل على تعزيز التمكين والحد من مظاهر الهشاشة والإقصاء الاجتماعي.
هذا ويمثل مركز "أمان" بجندوبة ترجمة عملية للالتزام القانوني بحماية المرأة وانتقالا من مستوى النصوص والمبادئ إلى مستوى الممارسة والخدمة العمومية باعتباره فضاء يضمن للنساء ضحايا العنف مسارا متكاملا يبدأ بالحماية وينتهي بإعادة بناء الاستقلالية والاندماج الاجتماعي.
كما وأن هذه الشراكة تؤكد بشكل جلي على أن مكافحة العنف ضد المرأة ليست مسؤولية قطاع واحد بل هي التزام جماعي تشترك فيه الدولة ومؤسساتها والمجتمع المدني وجميع المتدخلين في إطار احترام دولة القانون وترسيخ قيم العدالة والإنصاف والمساواة.
كذا يشكل إرساء مركز "أمان" بولاية جندوبة لبنة جديدة في بناء منظومة جهوية متكاملة لحماية النساء ورسالة واضحة بأن صون الكرامة الإنسانية وضمان الأمن والحقوق الأساسية للمرأة يمثلان ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار الأسري والتنمية الاجتماعية.


